خاص سودان تمورو
تتصاعد أزمة الوقود في الخرطوم والولايات لتكشف عن مشهد مأساوي، لا يمكن وصفه إلا بأنه “أزمة مصنوعة بامتياز“. وبينما يقف المواطن في صفوف المعاناة، تكتفي الحكومة بدور المتفرج، متذرعةً بتقلبات السوق العالمية وحرب الخليج، وهي ذرائع تدحضها الحقائق على الأرض؛ فالعامل الخارجي هو الأقل تأثيراً حتى الآن، خاصة مع وجود نحو عشرين باخرة راسية في ميناء “الخير” بانتظار التفريغ.
لعبة الاحتكار والربح الفاحش
إن ما يحدث اليوم هو نتاج تخطيط دقيق من “كارتيلات” الوقود التي تسعى لفرض أسعارها الخاصة بعيداً عن منطق العرض والطلب أو تكلفة الاستيراد الحقيقية. هؤلاء الذين اعتادوا على أرباح خرافية وصلت في الباخرة الواحدة إلى تسعة ملايين دولار بدلاً من الربح المعقول، لن يتوانوا عن افتعال الندرة لضمان استمرار تدفق أموالهم بـ “الربح الفاحش”.
وفي هذا السياق، كان الكاتب الصحفي الأستاذ النور أحمد النور واضحاً وجريئاً وهو يصف هذه الممارسات بأنها “جريمة موصوفة كاملة الأركان“. لقد كشف النور عن مخططات جهات عديدة لاختلاق الأزمة وتعقيد الأوضاع في السوق، ليس لشيء إلا لإحكام القبضة على السعر وتمرير أجندة الجشع والطمع الزائد.
وزارة الطاقة.. غياب الإرادة وسوء الإدارة
تتحمل وزارة الطاقة المسؤولية المباشرة عن هذا الشح المفتعل؛ فسوء الإدارة في ترتيبات الاستيراد، والاستجابة لضغوط جهات نافذة سمحت لمستوردين “جوكية” -لا يملكون خبرة ولا إمكانيات- بدخول السوق، أدى بالضرورة إلى هذا الانهيار.
إن ما ذكره الأستاذ النور يمثل محاكمة حقيقية للحكومة بأكملها، وليس للوزارة فحسب. وهنا يتساءل الشارع بمرارة: أين هيبة الدولة؟ وأين المسؤولون من تغول هؤلاء السماسرة وعديمي الأخلاق الذين يتحكمون في قوت الشعب بينما يغيب الرقيب تماماً؟
ستار “التحرير” وقبح “الاحتكار“
من جانبه، فجّر الكاتب الأستاذ الطاهر ساتي قنبلة من العيار الثقيل، متهماً الوزارة بممارسة التضليل. ففي الوقت الذي تدعي فيه الوزارة أن دورها فني ورقابي بحت، وأن الارتفاع عالمي، يؤكد ساتي أن “سياسة التحرير” ليست سوى ستار يتخفى وراءه أقبح أنواع الاحتكار.
“إن (50%) من الوقود محتكر لأربع شركات حكومية فقط، فأي تحرير وأي منافسة تتحدث عنها الحكومة؟“
إن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا تطرح الحكومة استيراد الوقود في عطاءات علنية شفافة يتنافس فيها الجميع ويحكمها قانون السوق العادل؟
خاتمة مريرة
إن تطابق رؤى الأستاذين النور وساتي يضع الحكومة أمام مرآة الحقيقة؛ فهي المسؤول الأول عن تمكين “كارتيلات” الوقود التي تعمد إلى إيقاف البواخر في عرض البحر لصناعة الأزمة.
لقد أصبح هذا الشعب الصابر المغلوب على أمره محاصراً بين مطرقة الظلم الحكومي وسندان الأزمات المفتعلة. إنه واقع يدمي القلب، ولا نملك أمامه إلا أن نقول: “لك الله يا بلد.. وحسبنا الله ونعم الوكيل“.
