سودان تمورو:
قال الدكتور عبدالله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني السابق، رئيس تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «صمود»، إن الشعب السوداني يعاني على مدى 3 سنوات متواصلة من ويلات جراء استمرار تقاتل أطراف الحرب وسط المدنيين الذين يعانون الأمرين من جحيم القذائف والبراميل المتفجرة التي لا تفرق بين مدني أو عسكري، والعنف الجنسي الواسع وتجنيد الأطفال، والحمى والكوليرا وغيرها من الأوبئة.
وأضاف في حوار مع «البيان»، أن موقف الجماعات الإسلامية الإرهابية في السودان المتمثل في وقوفهم مع العدوان الإيراني على الإمارات غير مستغرب، إلا أن المستغرب هو موقف حكومة بورتسودان، خاصة أن دول الخليج تستضيف ملايين السودانيين الذين يقيمون فيها منذ سنوات طويلة، ويحظون فيها بكل تقدير واحترام ومحبة وأخوة.
وأفاد حمدوك بأن السودان ومنذ انطلاق العمليات القتالية، يشهد تصاعداً لخطابات الكراهية ورفض الآخر المختلف، مضيفاً أنه، وفي ظل مناخ الحشد والتعبئة من أجل الاستقطاب وحيازة السلاح، دخلت التنظيمات الإرهابية المتطرفة إلى المشهد، فقطعت الرؤوس وبقرت البطون، مؤكداً في الوقت نفسه أن ما يحدث في السودان لن يتوقف في حدود السودان، وإنما قد يصبح أكبر تهديد للسلم الإقليمي والدولي.
وفيما يلي نص الحوار:
كيف تصف الوضع الإنساني في السودان اليوم في ظل استمرار الحرب؟
الوضع في السودان مأساوي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، الشعب السوداني يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، هنالك ملايين المدنيين الذين يواجهون الموت يومياً، سواء بسبب القصف العشوائي أو بسبب الأوضاع المعيشية الكارثية وانتشار الأمراض.
أكثر من 200 ألف سوداني فقدوا أرواحهم، في ظل وجود ما يقارب 24 مليون سوداني يعانون من أزمة جوع حادة، و26 مليون إنسان بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في الوقت الذي وصل فيه عدد النازحين إلى 15 مليوناً، وعدد اللاجئين إلى 4 ملايين لاجئ.
هذا بالإضافة إلى انتشار الأوبئة مثل الكوليرا والحمى، في ظل انهيار شبه كامل للنظام الصحي، ولا يمكن تجاهل الجرائم الخطيرة التي ترتكب، من عنف جنسي واسع النطاق إلى تجنيد الأطفال، وهي كلها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
بعد الانقلاب الذي حدث ضد حكومتكم وما تبعها من اندلاع للحرب بين قوات الدعم السريع وحكومة البرهان.. أين يقف عبدالله حمدوك والقوى المدنية اليوم؟
نحن اليوم جزء من تحالف «صمود»، وهو تحالف مدني ديمقراطي لقوى الثورة، يمثل أكبر تجمع للقوى المدنية في السودان، حيث يضم هذا التحالف أحزاباً وتنظيمات سياسية، واتحادات مهنية ونقابات مجتمع مدني ولجان مقاومة.
هذا التحالف يمثل تطوراً مهماً في العمل السياسي السوداني، حيث لم يعد قائماً فقط على الأحزاب، بل أصبح يعبر عن طيف واسع من المجتمع. «صمود» تقدم اليوم تجربة فريدة في التحالفات السودانية، تقف ضد الحرب وتدعم السلام، ترتكز على شعار ثورة ديسمبر 2018 «حرية سلام عدالة».
نحن لا ندّعي احتكار التمثيل أو أننا الفصيل الوحيد، لكننا نشكل أكبر تحالف مدني مستقل، نعمل بكل شفافية ومرونة مع كل مكونات الشعب السوداني، أبوابنا مفتوحة لاستقبال كل القوى التي تريد الانضمام إلينا، ونمد أيدينا لكل القوى الوطنية، التي تريد التعامل والتنسيق معنا حول القضايا، هدفنا واضح: إنهاء الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية.
هناك من يروج لفكرة أن من يعارض الجيش يقف مع قوات الدعم السريع، كيف تردون على ذلك؟
هذه سردية مضللة ومتعمدة لتشويه تحالف «صمود»، نحن وقفنا ضد هذه الحرب قبل اندلاعها، ونادينا بضرورة تجنبها، لم ولن ننحاز لأي طرف عسكري.
في نهاية العام 2023، تواصلنا مع قيادتي الجيش والدعم السريع ممثلة في عبدالفتاح البرهان و«حميدتي»، وطلبنا لقاءً مشتركاً بيننا نحن الثلاثة أو منفرداً لبحث سبل وقف الحرب، قيادة الجيش رفضت اللقاء، بينما استجابت قيادة الدعم السريع، والتقينا في أديس أبابا ووقعنا معهم ما يعرف بإعلان «أديس أبابا» الذي يستهدف إنهاء النزاع.
قيادة الجيش رفضت اللقاء، ولا تزال ترفض حتى اليوم، لذلك، من الظلم اتهامنا بالانحياز، بينما الحقيقة أننا نحاول إيقاف الحرب بأي وسيلة سلمية ممكنة.
متى كان آخر تواصل جمعكم مع قيادة الجيش ممثلة في عبدالفتاح البرهان؟
آخر تواصل مباشر كان في بداية عام 2024، ومنذ ذلك الحين، لم تتوفر فرصة للحوار رغم تأكيدنا المستمر على استعدادنا للقاء الطرفين، لكن الجيش ظل يعاند ويرفض كافة محاولاتنا للقاء وإيجاد الحلول السلمية.
المفارقة أننا نتعرض اليوم لمحاكمات في بورتسودان بتهم خطيرة مثل الخيانة العظمى وتقويض نظام الحكم، فقط لأننا طالبنا بوقف الحرب التي أدمت السودان وشردت وقتلت شعبه. هذا يعكس حجم الأزمة التي نعيشها.
هل صحيح أن السودان كان يسير في اتجاه التعافي وأنه كانت توجد مساعٍ نحو إسقاط ديون السودان، إلا أن الانقلاب قبل شهر من الموعد المحدد أوقف تلك الجهود؟
نعم، بكل تأكيد، السودان كان قد بدأ يستعيد مكانته الإقليمية والدولية، كنا على وشك تحقيق اختراق كبير في ملف الديون، حيث كان هناك اتفاق مع نادي باريس لإعفاء السودان من ديون تبلغ قيمتها نحو 50 مليار دولار، لكن الانقلاب في 25 أكتوبر بخر وأطاح بكل ذلك.
حيث أصبح موقف السودان أسوأ مما كان عليه في السابق، إذ دخل السودان في عزلة دولية، وتوقفت علاقاته مع مؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد، ما حدث كان تراجعاً كبيراً أضاع سنوات من العمل.
الانقلاب دمر كافة مكتسبات الفترة الانتقالية، ودمر كافة الخطط والمشاريع التي كانت ستسهم في عودة السودان دولة فاعلة في المحيط الإقليمي والدولي.
بعد إدراج جماعة الإخوان في السودان ضمن قائمة الإرهاب الأمريكية.. كيف سينعكس ذلك على موقف البرهان؟
نحن في السودان على دراية كاملة بتفاصيل تغلغل التنظيم الإرهابي، والشعب السوداني قام بتصنيف جماعة الإخوان والحركة الإسلامية وحزبها المؤتمر الوطني جماعة إرهابية، وفي الفترة الانتقالية تم حل المؤتمر الوطني بالقانون.
نعلم تماماً ما قامت به الحركة السياسية من تدمير السودان والاستيلاء على الجيش والأمن والاقتصاد والخدمة المدنية، وخلال الفترة الانتقالية، بدأنا عملية تفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن، لكن هذه العملية لم تكتمل بسبب الانقلاب.
واليوم، لا يزال تأثير هذه الجماعات واضحاً في مؤسسات الدولة، خاصة العسكرية والأمنية، وهو ما يعقد المشهد.
في ظل استمرار الحرب وإكمالها العام الثالث على التوالي، ما الحل من وجهة نظركم؟
لا يوجد حل عسكري لهذه الحرب، وهذه حقيقة يجب أن يدركها الجميع، حقيقة ظللنا نرددها منذ بدء العمليات العسكرية، وعليه يتوجب الذهاب إلى تفاوض يفضي إلى تفاهمات تضع حداً لهذه الحرب، تستعيد النظام المدني الديمقراطي عبر مسار سياسي شامل يقوم على ثلاثة محاور، أولاً: وقف إطلاق النار بشكل فوري، ثانياً:
حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ثالثاً: إطلاق عملية سياسية شاملة لا تستثني أحداً، باستثناء من أفسدوا الحياة السياسية، بما فيهم الحركة الإسلامية الإرهابية وواجهتها وأفرعها.
السودان لديه تجارب ناجحة في الانتقال السياسي، منها الانتقال السياسي في أكتوبر عام 1964، وفي أبريل 1985، وغيرها من الممارسات التي يمكن البناء عليها للوصول إلى حل.
وأود أن أشيد بكل المجهودات التي تمت في السابق لمعالجة هذه الأزمة، إلا أن أهمها وأكثرها قدرة على حل وإنهاء الحرب اليوم يتمثل في مبادرة الرباعية التي طرحت بوساطة الإمارات والسعودية وأمريكا ومصر، حيث إنها قادرة على ذلك بالتعاون مع الخماسية التي تشمل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي و«الإيجاد».
هذه المبادرة لديها القدرة على خلق إطار تفاوضي جاد إذا توفرت الإرادة السياسية من الأطراف السودانية.
هل تتوقعون أن يتخلى الجيش بقيادة عبدالفتاح البرهان عن التنظيم والجماعات الإسلامية؟
السودانيون اليوم أمام خيارين اثنين، إما بناء دولة مدنية ديمقراطية تفتح الباب لسودان مستقر ومتصالح مع جيرانه وفاعل في المحيط الإقليمي والدولي، وإما الاستمرار في مسار أدى إلى دمار السودان وضياع فرصة في أن يكون بين أغنى دول العالم نظراً لما يتمتع به من إمكانات وموارد.
إذا أراد السودان الاستقرار، فلا بد من إنهاء هيمنة أي فصيل على الدولة، وعلى رأسهم جماعة الإخوان في السودان، ثم بناء مؤسسات وطنية مستقلة، إلا أن تحقيق هذا المطلب يظل صعباً في ظل استمرار تغلغل التنظيم في كافة مفاصل الدولة.
هل هناك خطر من تقسيم السودان؟ خاصة في ظل وجود حكومة موازية تتبع قوات الدعم السريع؟
لا أعتقد ذلك، لأن ما نسمعه من تصريحات أو من خلال التواصل مع قيادات «تأسيس» والأحزاب الأخرى، أن لا أحد يدعو إلى تقسيم السودان أو تأسيس كيان منفصل.
هناك أحاديث في الأروقة حول النموذج الليبي، إلا أن السودان بلد معقد عنده تحديات كثيرة إثنية، وجغرافية وتاريخية وغيرها، والنموذج الليبي لا يمكن استنساخه أو أن ينجح في السودان.
وأعتقد أن الغالبية العظمى مع وحدة السودان واستقراره، مع سودان متحد متصالح مع نفسه.. وحدة السودان واستقراره ستجعله قوة لدعم كل ما هو خير على مستوى محيطة والعالم.
ما رسالتك للدول التي لا تدعم جهود المدنيين و«صمود» في حل الصراع في السودان؟
القوى المدنية هي الضامن الحقيقي لمستقبل السودان.. خلال 70 عاماً من عمر الاستقلال الوطني، حكم العسكريون البلاد لأكثر من 60 عاماً، وكانت النتيجة حروباً ودماراً وعزلة دولية. لذلك يجب أن يصبح مستقبل السودان في أيدي القوى المدنية التي هي حريصة على وحدة البلد واستقراره، فضلاً عن بناء علاقات متينة ومتميزة مع الجوار القريب والبعيد.
هناك العديد من الناس الذين يقولون إنهم مع الجيش، ماذا عمّن يرون أن الجيش لا يمثل الدولة؟
نحن نؤمن بضرورة وجود جيش وطني مهني، لكن الواقع الحالي مختلف، مؤسسات الدولة في آخر 30 عاماً الماضية تعرضت للاختطاف الكامل من قبل جماعة الإخوان (الحركة الإسلامية السودانية).
نتمنى أن يكون هناك جيش وطني مستقل يحفظ وحدة البلد وحدودها ولا يتدخل في الاقتصاد أو السياسة، ولكن هذا الأمر غير موجود اليوم، وإلى أن نصل إلى ذلك الجيش يبقى هذا الجيش مختطفاً.
الانقلاب الذي أتى بجماعة الإخوان إلى السلطة، والذين انقلبوا على نظام ديمقراطي في عام 1989 ظل على مدى 30 سنة يعمل على زرع أفكاره بين الطلبة والعاملين في الكليات الحربية وكل المؤسسات التي عملت على تخريج عناصر ملتزمين بنهج التنظيم.
هذا ليس حديثاً غير واقعي، بل هذه حقائق راسخة، فهم متوغلون في جميع مفاصل الجهات العسكرية والأمنية.
إعادة بناء الجيش بوصفه مؤسسة وطنية مستقلة هو جزء أساسي من الحل.
