الأربعاء, أبريل 15, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيدروس من الحرب العدوانية على الجمهورية الإسلامية .. مازن النجار

دروس من الحرب العدوانية على الجمهورية الإسلامية .. مازن النجار

سودان تمورو

حتى قبل التوصّل لوقف إطلاق النار في الحرب العدوانية الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عكف خبراء وباحثون على دراسة واستخلاص النتائج والدروس المستفادة من هذه الحرب، أو بالأحرى ما تعلّمناه منها حتى الآن.

يتفق كثير منهم على أنّ إيران تنتصر، والولايات المتحدة و”إسرائيل” تخسران؛ فهذا التحالف الأميركي الإسرائيلي لا يدرك ما يفعله وكيفية إصلاح الوضع؛ لقد حان الوقت للولايات المتحدة أن تنفصل عن “إسرائيل”، كما خلص المفكّر الإيرلندي، شين فيتزجيرالد. أما الكاتب والصحافي والروائي الاسكتلندي، جون وايت، فقد كتب مبكراً مقالاً بعنوان: “إنّ انتصار إيران هو النتيجة الطيبة الوحيدة لهذه الحرب”.

قوة عظمى جديدة
أما عالِم السياسة والاستراتيجية بجامعة شيكاغو، روبرت پيپ، فقد نشر في نيسان/أبريل مقالة رأي بنيويورك تايمز بعنوان: “الحرب تحوّل إيران إلى قوة عالمية عظمى”، مقدّماً قراءة تحليلية لتداعيات الحرب على إيران والنظام العالمي، ورأى أنّ الحرب ذاتها – وليست قوة النظام الإيراني وحدها – تحوّل إيران إلى قوة عظمى جديدة، إلى جانب الولايات المتحدة والصين وروسيا.

يرفض پيپ تقييم قوة إيران عسكرياً أو اقتصادياً فقط، ويعتبرها قوة “إكراه” محورية لأنها تسيطر على مضيق هرمز كممر حيوي لتدفّق الطاقة والأسمدة والهيليوم والبتروكيماويات. أي أنّ قوة “الإكراه” ليست فقط في كميات الصواريخ والطائرات، بل في قدرة فرض تبعات اقتصادية عالمية عبر تعطيل أو تهديد تدفّقات الطاقة، مما يجعل وزن إيران السياسي أكبر بكثير من حجمها الظاهري.

ويبرز پيپ توظيف إيران لموقعها الجيوستراتيجي بمواجهة الولايات المتحدة و”إسرائيل”، عبر تهديد أو تقليل تدفّق الطاقة وغيرها عبر مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو خُمس النفط وربُع الغاز المسال عالمياً. وتستخدم “فخّ التصعيد” وتبقيه بمستوى يكفي لإرباك الغرب اقتصادياً ويفاقم تكلفة أيّ حملة عسكرية ضدّها، لكن من دون دفع العالم إلى حرب واسعة.

كذلك، تحوّلت الحرب إلى مشروع “تغيير النظام العالمي”، فما جرى لم يعد مجرّد ردّ أميركي أو إسرائيلي على إيران، بل حرب تحوّل استراتيجي تهدف لإعادة تشكيل النظام العالمي، لكن بنتيجة غير مقصودة: تعزيز مكانة إيران كمركز جديد للنفوذ. وباستمرار الحرب زمناً أطول، قد يتشكّل كارتيل طاقة يضمّ إيران وروسيا والصين، يستخدم السيطرة على الإمدادات سلاحاً سياسياً، مما يُضعف قدرة الغرب على احتواء دول الكارتيل أو فرض عقوبات فعّالة عليها.

مستقبل النظام العالمي
يحذّر پيپ من استمرار هذا المسار لأنه سيرفع تكاليف الطاقة على الغرب، ويفاقم تأثير الضغط على دول أوروبا وآسيا المعتمدة على واردات الطاقة، ما يُضعف نفوذ واشنطن وحلفائها في التحالفات العسكرية والاقتصادية.

في هذا السياق، تصبح إيران قوة ثالثة حقيقية في المعادلة، ليس فقط كدولة إقليمية، بل كـمركز قوة في سلسلة توريد الطاقة عالمياً، ما يمنحها هامش تأثير سياسي على دول تُريد تجنّب اضطرابات أسعار الطاقة والطوارئ اللوجستية.

يطرح پيپ أنّ إيران لا تسعى لإنشاء نظام عالمي جديد بالكامل، لكنها تريد إعادة ترتيب النظام الراهن لصالحها باستغلال عمق التحالفات والاعتماد الكبير على النفط والغاز، ما يجعل من المتعذّر تجاهلها أو إخراجها من أيّ حلّ سياسي أو أمني في الشرق الأوسط. والخلاصة أنّ الحرب تخلق “ثورة طاقة” سياسية/استراتيجية؛ فبقدر ما يُراد إضعاف إيران، تُصبح إيران في وضع يتيح لها تغيير قواعد اللعبة، وتحوّل موقعها الجغرافي إلى قوة ناعمة وصلبة في آن واحد، ويُصبح وجودها كقوة عظمى صغيرة جزءاً من واقع النظام العالمي في العقد المقبل إن لم يتمّ تغيير المسار.

نتائج راسخة
بعد مرور 40 يوماً على حرب الولايات المتحدة و”إسرائيل” العدوانية ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يلاحظ فيتزجيرالد وغيره اتضاح عدة أمور:

1. الولايات المتحدة و”إسرائيل” تخسران وإيران تنتصر- وفقاً لتقييم محلّلين وخبراء مثل جون ميرشايمر، وغلين دايزن، ويانيس فاروفاكيس، فإنّ ديناميات القوة وحدودها ونطاقها تُثبت ما تمّ التنبؤ به قبل بدء الحرب: لا تستطيع الولايات المتحدة تحقيق ما تريده، أي تغيير النظام، من دون الحصول على ما تكرهه، ومن دون إحداث فوضى قد تكون أسوأ بكثير مما حدث في العراق. تخوض الدولة الإيرانية معركة وجودية لأجل البقاء، وهي ببساطة أكثر قوة واستعداداً وغضباً من أن تُزاح إلا بشنّ حرب برية شاملة، تُنشر فيها مئات آلاف الجنود، مما يُنذر بحرب عالمية ثالثة.

2. لقد خسرت الولايات المتحدة بالفعل – لقد خسرت الولايات المتحدة بالفعل، فإذا كان هناك ذرة مصداقية وثقة بها كقوة خيّرة في أيّ مجال، فقد سُحقت تماماً. الولايات المتحدة هي عامل فوضى، سترتكب أبشع الأشياء وتقتل الأطفال الأبرياء إذا رأت “إسرائيل” الصهيونية ذلك في مصلحتها. لا يُمكن الوثوق بالولايات المتحدة في الحماية، ولا في المفاوضات، ولا في تقديم مصلحة اقتصاد العالم على أغرب وأحلك الدوافع غير العقلانية. إنّ الهزيمة الأكبر للولايات المتحدة على المدى البعيد ستكون تدميراً كاملاً وشاملاً لمصداقيتها ونزاهتها.

3. إنّ معاداة الولايات المتحدة أمرٌ خطير، لكنّ صداقتها أشدّ خطورة. لقد تعلّمت دول الخليج درساً قاسياً مفاده أنّ وجود القواعد العسكرية الأميركية على أراضيها لا يُجدي نفعاً يُذكر في حمايتها من الهجمات، بل على العكس تماماً. فهي لا تصدّ الهجمات، بل تزيد احتمال وقوعها، ولا تُجدي نفعاً في تحييدها. ستصبح القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج أهدافاً مشروعة عندما تشنّ الولايات المتحدة إحدى حروبها الجنونية. والدرس الذي يجب أن يتعلّمه حلفاء أميركا هنا هو أن يُفكّروا طويلاً قبل السماح للولايات المتحدة بنشر قواتها المسلحة داخل حدودهم.

4. لقد انحرف جزء كبير من الغرب نحو فلسفة طائشة “أورويلية” مُفرطة؛ فالدفاع هو الهجوم، والهجوم هو الدفاع، والحرب هي السلام، ومذبحة التلميذات الصغيرات بمدرسة “شجرة طيبة” هي الخلاص، وصنّاع الحرب هم صنّاع السلام. يلتزم جزء كبير من الغرب الصمت حيال أسوأ دولتين في العالم ترتكبان أبشع الجرائم على كوكبنا، بينما يبقى عنيفاً وصاخباً في تحريف كلّ زاوية لتحويل الضحايا إلى مجرمين والمجرمين إلى ضحايا.

5. “إسرائيل” معرّضة بشدة للهجمات الإيرانية، كما تجلّى خلال عدوان العام الماضي على إيران، فـ “إسرائيل” عرضة بشكل كبير لصواريخ إيران، التي تعرف كيف تستغلّ نقاط ضعف منظومة القبة الحديدية الدفاعية، و”إسرائيل” تعاني نقصاً بصواريخ الاعتراض. وأظهرت فيديوهات صاروخاً باليستياً إيرانياً يصيب مدينة ديمونا، في جنوب “إسرائيل” بصحراء النقب، حيث تنتج وتخزّن “إسرائيل” ترسانتها النووية. ويفترض أنها من أكثر المواقع الإسرائيلية تحصيناً. ومع ذلك، حقّقت إيران نجاحاً ملحوظاً، حيث تصيب أعداد كبيرة من صواريخها أهدافها.

6. “إسرائيل” متغلغلة بعمق في دوائر النفوذ الأميركي. فمجرّد إعطاء دونالد ترامب الضوء الأخضر لهذه الحرب، يُظهر مدى رسوخ أيديولوجية نهاية العالم المشيحانية الصهيونية المتطرفة في العقل السياسي الأميركي الجمعي. لقد تسلّلت “إسرائيل” إلى أعمق زوايا صنع القرار الأميركي من خلال مزيج خبيث من الضغط والابتزاز والتلاعب الأيديولوجي المتواصل والمنسّق.

يمكن القول إنّ الولايات المتحدة الأميركية أصبحت مخترقة تماماً بالطفيليات الإسرائيلية، لكنّ هذا المجاز يتجاهل حقيقتين صارختين: الأولى، أنّ الولايات المتحدة، سواء بوجود “إسرائيل” أو من دونها، هي الدولة الأكثر تدميراً لكوكب الأرض، والثانية، أنها مشاركة طوعياً بما يبدو طفيلياتها الذاتية.

7. صعود التعددية القطبية: المنظومة الليبرالية الكبرى تتلاشى، رغم مناشدات دونالد ترامب لحلف الناتو وأوروبا، ورغم نزعة الطيش “الأورويلية” لدى جزء كبير من الغرب، لا أحد مستعدّ للدخول في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لأسباب واضحة، ووصف ترامب حلفاءه في الناتو بـ”الجبناء”. كما رفضت أوروبا والصين المساعدة في فتح مضيق هرمز بالقوة. يمثّل ترامب في آنٍ واحد قوة تعمل لصالح التعددية القطبية والمنظومة الليبرالية وضدّهما أيضاً. وفي الحرب على إيران، يظهر أوضح وأشمل دليل على هذه الحقيقة.

8. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وحكومته فاسدون –كما يصفهم البعض– وبغضّ النظر عن أسباب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، يصعب إنكار مدى خبث وانعدام ضمير الحكومة الأوكرانية وقائدها. أرسل زيلينسكي دعماً عسكرياً لدول الخليج، وربما أرسل أيضاً طائرات مسيّرة لاستخدامها في الحرب على إيران وفي حرب “إسرائيل” على جنوب لبنان. كان الرئيس زيلينسكي حريصاً على إقحام أوكرانيا في كلّ هذا. هنا، أظهر مدى حرصه على قدسيّة مبادئ كثيراً ما يستشهد بها لتشويه سمعة روسيا. وهذا يكشف لأيّ شخص يتمتع بعقل سليم الكثير عن زيلينسكي وحكومته.

9. لا تملك الولايات المتحدة و”إسرائيل” أدنى فكرة عمّا تفعلانه وكيفية الخروج من هذا المأزق، فثمة غموض شديد ومستمر يكتنف أسباب قرار شنّ الحرب على الجمهورية الإسلامية منذ اليوم الأول. وتتضارب الحجج والمبررات تماماً. من يوم لآخر، ينتقل ترامب من توجيه إنذارات إلى حديث عن إجراء محادثات “مثمرة” مع إيران. وهناك تباين واضح بين “إسرائيل” والولايات المتحدة في الأسس والغايات. عندما يُشوّه هذا الغموض الفعل والفكر، يصبح من المحتم أن تنعدم حلول مشكلات صنعها المرء بنفسه.

10. بات الانقسام الأميركي الإسرائيلي وشيكاً، فالحاجة أم الاختراع. موضوعياً، لقد آن أوان أن تقطع أميركا علاقتها بالكيان الصهيوني. إنّ الحرب العدوانية على إيران تتنافى مع أيّ منطق سليم أو تفكير عاقل. وهي لا تحظى بتأييد الأميركيين. لا مكسب لأميركا، بل كلّ شيء مُعرّض للخسارة.

إن لم يُثبت هذا وجود مشكلة حقيقية، وضرورة وقوع انقسام حادّ بين الولايات المتحدة و”الدولة” المارقة الأكبر في العالم، فلن يُثبتها شيء. لقد آن أوان الحساب. حان الوقت لأميركا أن تستخدم كلّ ما تملكه من مال وقوة، وأن تفعل شيئاً نافعاً. إنها إرادة الشعب. إنها خلاصة العقل. إنها لخير العالم.

كاتب وباحث ومترجم في التاريخ والاجتماع

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات