سودان تمورو
قد يبدو إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد الهدنة مع إيران، استجابة لوساطة باكستانية وبذريعة انتظار المقترح الإيراني، بمثابة انفراجة تبتعد بالمنطقة عن شبح الحرب. لكن نظرة أعمق وأكثر تمحيصاً تكشف عن فخ استراتيجي محكم، يُحوّل حالة “اللاسلم واللاحرب” إلى أداة خنق بطيء وممنهج لطهران، قد تكون تداعياتها أخطر من مواجهة عسكرية محدودة.
إن إعلان ترامب عن هدنة مفتوحة زمنياً حتى “نهاية المفاوضات” ليس بادرة حسن نية، بل هو تكتيك يضع إيران في حالة من اللايقين الدائم، حيث يمنح ترامب نفسه تفويضاً مطلقاً وغير محدد بمدة ليعلن في أي لحظة يشاء فشل المفاوضات، ويحوّل الهدنة إلى ضوء أخضر لعمل عسكري. بهذا، يصبح سيف التهديد مسلطاً بشكل دائم على طهران، بينما تُجرّد هي من أي قدرة على القيام بعمل استباقي أو مضاد، لأن أي تحرك من جانبها سيُصوّر على أنه خرق لوقف إطلاق نار وافقت عليه بوساطة طرف ثالث.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في التهديد العسكري المعلّق، بل في الحرب الحقيقية المستعرة بالفعل: الحصار الاقتصادي الخانق. فمع استمرار الحصار البحري والعقوبات المشددة، يتحول عامل الوقت إلى عدو لإيران. كل يوم يمر في ظل هذا الوضع القائم يعني مزيداً من استنزاف الصمود الداخلي، وتآكل القدرة الاقتصادية، وتعميق الأزمات الاجتماعية. لقد أدرك ترامب أن استهداف “قدرة التحمل” الإيرانية عبر حرب استنزاف اقتصادية صامتة، يمكن أن يلحق بإيران أضراراً استراتيجية أعمق بكثير من ضربات عسكرية محدودة، وبدون أي تكلفة سياسية أو بشرية على الجانب الأمريكي.
بذلك، يكون ترامب قد حقق هدفه الأساسي بأقل تكلفة: تجنب حرب إقليمية مكلفة كان يسعى للخروج منها، مع الإبقاء على أقصى درجات الضغط الذي يخدم أجندته. في المقابل، تجد إيران نفسها عاجزة عن تحقيق هدفها الأسمى، وهو رفع العقوبات واستعادة عافيتها الاقتصادية. إنها معادلة غير متكافئة بالمرة؛ فالولايات المتحدة تنجح في “الخروج من الحرب” وتحييد التهديد الإيراني المباشر، بينما تظل إيران حبيسة “الحصار” الذي هو جوهر الحرب الحقيقية عليها.
لست هنا من دعاة الحرب، فالحروب لا تجلب إلا الدمار للمنطقة وشعوبها. ولكن على القيادة الإيرانية أن تدرك بوضوح أن القبول بهذا الوضع الراهن ليس خياراً مستداماً، بل هو انزلاق نحو هزيمة استراتيجية بطيئة. إن حالة اللاسلم واللاحرب التي فرضها ترامب هي المستنقع الذي يغرق فيه الطرف الأكثر تضرراً من الحصار. يتوجب على صناع القرار في طهران إيجاد مخرج عاجل من هذا الشلل الاستراتيجي، قبل أن يتحول الصمود إلى تآكل، وقبل أن يصبح الضرر الاقتصادي والاجتماعي غير قابل للإصلاح.
