الأربعاء, أبريل 22, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمن المواجهة العسكرية إلى إدارة الداخل!.. بقلم نزار أحمد

من المواجهة العسكرية إلى إدارة الداخل!.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

بعد أن وضعت المواجهة العسكرية المباشرة الأخيرة أوزارها مؤقتاً، وبعد أن اتضح أن الخصم لم يتمكن من تحقيق أهدافه الاستراتيجية عبر القوة العسكرية، تدخل إيران الآن مرحلة جديدة من الصراع، قد تكون أشد خطورة وضراوة. القاعدة الراسخة في علوم الاستراتيجية تقول إن العجز عن تحقيق النصر العسكري يدفع القوى المعادية دوماً إلى نقل المعركة إلى ساحة أخرى، واليوم، لا توجد ساحة أكثر خصوبة لتحقيق أهدافهم من إشعال أزمات سياسية داخلية متعددة ومعقدة. حيث سيقوم العدو بما يُعرف بـ “دوامة التصعيد”، وهي ديناميكية مدمرة تتحول فيها الممارسة السياسية من تنافس طبيعي إلى حرب استنزاف داخلية، حيث يصبح الخطاب الحاد، ووصم الخصوم، ورسم خطوط تماس هوياتية، والتخوين المتبادل، هي الأدوات الرئيسية في الصراع.

إن القضية المحورية في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به طهران ليست مجرد احتمالية تجدد الاشتباك العسكري، بل تكمن في قدرة المجتمع السياسي الإيراني على تجنب الانزلاق إلى حلقة ذاتية التعزيز من التوتر الداخلي. فالأزمات الكبرى، في كثير من الأحيان، لا تتصاعد بفعل القوة العسكرية وحدها، بل تتغذى وتتفاقم عبر الخطاب والإدراكات المتبادلة التي تسمم الفضاء العام وتجعل من الحوار مستحيلاً. وهنا يبرز الدور الحاسم للنخب السياسية والإعلامية في إيران؛ فمسؤوليتها التاريخية اليوم تتجاوز مجرد التعبير عن المواقف الحزبية الضيقة، لتصل إلى مستوى “إدارة ساحة الخطاب” الوطني بأسره. إن أي تطبيع للغة التخريب والتخوين، وأي تساهل في تداول الاتهامات، يعني ببساطة خفض عتبة التحمل المجتمعي وزيادة احتمالية ارتكاب أخطاء كارثية في الحسابات على المستوى الكلي للدولة.

لذلك، من الضروري أن تعي جميع التيارات السياسية الإيرانية، على اختلاف توجهاتها، حجم الخطر المحدق، وأن تبادر بشكل فوري وفعال إلى دعوة قواعدها الاجتماعية إلى أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب إعادة إنتاج خطابات الكراهية، وتحمل المسؤولية الوطنية في الفضاء العام، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي التي تميل بطبيعتها الهيكلية إلى تعميق الاستقطاب وتغذية الانقسامات. وعلى وسائل الإعلام الرسمية، أن تتجنب تماماً لعب أي دور في تأجيج دائرة التصعيد، وأن تعمل بدلاً من ذلك على “خفض منسوب التوتر الخطابي” وإعادة بناء الحد الأدنى من الثقة المفقودة بين مكونات المجتمع. إن الخطر الأكبر الآن ليس صاروخاً قادماً من الخارج، بل كلمة طائشة تُلقى في الداخل، فتكون هي الشرارة التي تحقق للخصم ما عجزت عن تحقيقه أسلحته.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات