سودان تمورو
لا جديد تحت الشمس حين نتأمل العقلية الإستراتيجية الأمريكية في إدارة أزماتها في الشرق الأوسط؛ فلطالما كانت لغة الاستعراض العسكري وتضخيم القدرات هي الخطوة الاستباقية المفضلة لواشنطن قبل الجلوس إلى طاولات التفاوض. اليوم، تطالعنا التقارير الغربية، وعلى رأسها الفايننشال تايمز، بحديث صاخب عن حشد عسكري أمريكي هو الأضخم منذ غزو العراق عام 2003، حيث تدفع إدارة ترامب بحاملة طائرات ثالثة، وعشرات الآلاف من القوات الخاصة ومشاة البحرية، في مشهد هوليوودي صُمم بعناية ليبدو وكأن نذر حرب شاملة توشك أن تبتلع المنطقة بأسرها.
هذا الحشد المهول، الذي يتزامن مع إعلان واشنطن تمديد “هدنة” مفترضة، يحمل في طياته تناقضاً مكشوفاً للمراقب الحصيف؛ إذ يتم الترويج لقدرات تدميرية هائلة تشمل قصف البنى التحتية واحتلال جزر إستراتيجية في مضيق هرمز، وصولاً إلى التلويح بتدخل بري. لكن الذاكرة، تدرك تماماً أبعاد هذه المسرحية. فقبل حرب رمضان، سخرت الآلة الإعلامية والسياسية الأمريكية كل طاقاتها للترويج لأسطورة الجيش الذي لا يقهر والترسانة التي لا تُخترق، بهدف فرض استسلام نفسي يسبق أي تسوية سياسية. وكانت النتيجة أن اصطدمت تلك الدعاية بصخرة الواقع، وتهاوت القدرات التي رُوج لها طويلاً أمام إرادة القتال الحقيقية، ليثبت التاريخ أن الضجيج الذي يسبق المعارك غالباً ما يكون لتعويض قصور إستراتيجي، لا للتعبير عن قوة مطلقة.
ما تفعله واشنطن اليوم في مياه الخليج وبحر العرب، من توجيه آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جواً، وتحريك السفن الهجومية البرمائية، لا يخرج عن كونه توظيفاً سياسياً للقوة العسكرية، أو ما يُعرف بـ “دبلوماسية البوارج”. الهدف الواضح ليس خوض حرب استنزاف برية مدمرة، بل ممارسة أقصى درجات الضغط النفسي والسياسي لإجبار طهران على قبول شروط قاسية تتعلق ببرنامجها النووي وتأمين مضيق هرمز. إنها محاولة لكسر إرادة الخصم في العقول قبل الساحات.
حتى الخبراء العسكريون في واشنطن أنفسهم يدركون حجم هذه المقامرة، ويحذرون صراحة من أن أي تواجد بري سيحول القوات الأمريكية إلى أهداف مكشوفة، وأن حمايتها ستتطلب استنزافاً هائلاً لموارد الاستخبارات والغطاء الجوي. هذا الاعتراف المبطن بحدود القوة يؤكد أن أمريكا تدرك جيداً الفرق بين “استعراض” القوة و”استخدامها”.
إن استحضار الدروس من التاريخ يؤكد لنا أن التلويح بالعصا الغليظة وتضخيم القدرات القتالية قبل جولات التفاوض هو تكتيك أمريكي بامتياز. وما هذا الاستنفار العسكري الضخم إلا ورقة مساومة تُرفع في وجه الخصوم، في محاولة لتحقيق انتصارات على طاولة المفاوضات قد تعجز أعقد الأسلحة وأضخم الأساطيل عن تحقيقها على أرض المعركة، تماماً كما تبخرت أوهام القوة المفرطة ذات يوم من أيام رمضان.
