سودان تمورو
في خضم العواصف الجيوسياسية التي تضرب الشرق الأوسط، والمواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران، تبرز مفارقة لافتة تستدعي التوقف والتأمل، وتتجسد في الموقف السعودي الذي اكتفى بلعب دور المتفرج الحذر. فبحسب ما تشير إليه القراءات الغربية، وتحديداً تقرير مجلة “فورين بوليسي”، فإن هذه الحرب شكلت عبئاً ثقيلاً على كاهل الرياض التي ترزح تحت ضغوط اقتصادية متزايدة، مما دفعها للتشبث بخطاب دبلوماسي حذر، ونفي أي تورط أو مشاركة في الهجمات على إيران، بل والإحجام عن اتخاذ أي خطوة تصعيدية أو عمل متقابل، في مشهد يتناقض تماماً مع السردية التي طالما روجت لها.
هذا الانكفاء التكتيكي، أو ربما العجز الاستراتيجي، يكشف بوضوح عن حالة من الهشاشة والتزلزل داخل أروقة دولة لطالما سوقت لنفسها على أنها القوة الإقليمية الصاعدة والرقم الأصعب في معادلة الشرق الأوسط. بيد أن الواقع على الأرض يعكس صورة مغايرة تماماً؛ ففي الوقت الذي تمضي فيه طهران بخطى حثيثة نحو إعادة تشكيل هندسة المنطقة وتثبيت نفوذها، تبدو الرياض غارقة في حالة من التيه، تكتفي بمحاولات يائسة لحماية مكتسباتها الداخلية والتقوقع على ذاتها، بعد أن أدركت أن خيوط اللعبة قد أفلتت تماماً من بين يديها.
وبقراءة متأنية للسلوك السعودي في التعاطي مع هذه الأزمة، يتضح أن صانع القرار في الرياض قد أجرى حسابات براغماتية معقدة، يبدو من خلالها أنه أسقط من اعتباراته احتمالية تحقيق نصر أمريكي حاسم. وبدلاً من ذلك، راهنت القيادة السعودية على سيناريو الاستعصاء والبنك الدبلوماسي أو حتى تفوق الكفة الإيرانية. هذا التموضع الاضطراري يميط اللثام عن حقيقة قاسية، وهي أن المملكة وصلت إلى طريق مسدود، أو ربما حتى خروج إيران منتصرة من هذه المواجهة. هذه المقاربة البراغماتية، وإن بدت مبررة من منظور البقاء، إلا أنها تسقط ورقة التوت عن حقيقة النفوذ السعودي، وتثبت أن المملكة ليست بتلك القوة والقدرة على التأثير التي طالما صدحت بها آلتها الإعلامية وخطاباتها الرسمية.
ولعل أشد ما يعمق جراح صانع القرار في الرياض، هو إدراك ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لهذه المفارقة. فرغم اتفاقه الضمني مع الأهداف الاستراتيجية الرامية لتقليم أظافر طهران، إلا أنه يقف على طرفي نقيض مع الأساليب الرعناء التي تنتهجها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل لتحقيق ذلك. ولا شك أن حالة من الغضب المكتوم تسيطر على دوائر الحكم في السعودية تجاه السياسات الأمريكية والإسرائيلية المتهورة، ليس تعاطفاً مع الجار الإيراني، بل لأن هذه السياسات، وفي مفارقة درامية، لم تؤدِ إلا إلى تعزيز قوة إيران وتكريس نفوذها، تاركة الرياض تدفع ثمن أخطاء حلفائها في منطقة لا ترحم المترددين.
