الإثنين, أبريل 27, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالترويكا و تقدم – قراءة في أبعاد الدعم الخارجي و إرتهان الأجندة...

الترويكا و تقدم – قراءة في أبعاد الدعم الخارجي و إرتهان الأجندة .. الشاذلي حامد المادح

سودان تمورو

تعد مجموعة الترويكا (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة و النرويج) اللاعب الغربي الأكثر تأثيراً في الخارطة السياسية السودانية . فمنذ دورها كضامن لإتفاقية السلام الشامل عام 2005م تحولت المجموعة عقب التغيير في ديسمبر 2019م إلى [ظهير دولي) مباشر لحكومة عبدالله حمدوك ، منتقلًا من دور المراقب إلى (الشريك الموجه) عبر ثلاثة مسارات استراتيجية :
أولاً : الهندسة الإجتماعية و القانونية (2019 – 2021)
عملت الترويكا على مراجعة دورية لبرامج محددة إستهدفت البنية التشغيلية للمجتمع السوداني و تركزت في :
الإصلاح القانوني : الضغط لإلغاء قانون النظام العام و تعديل مواد الردة في القانون الجنائي .
الحريات الفردية و الجندر : الدفع بإتجاه التوقيع على إتفاقيات دولية مثيرة للجدل مثل (سيداو) .
تغيير المناهج : دعم تحويل المناهج الدراسية نحو قيم علمانية و مدنية و هي الخطوة التي إصطدمت بالوجدان الشعبي (أزمة القراي) .
ثانياً : التمكين السياسي و الغطاء الإقتصادي
شكلت الترويكا “المفتاح” الفني و السياسي لولوج السودان إلى المؤسسات المالية الدولية و نادي باريس و إن لم يتغير شيء . كانت اجتماعات سفراء المجموعة مع مكتب رئيس الوزراء تتم بشكل شبه أسبوعي لمتابعة “مصفوفة الإصلاحات”، حيث جرى ربط التقدم الاقتصادي بمدى الالتزام بتغيير القوانين و المناهج .
ثالثاً : ما بعد أبريل 2023م – التمويل و الشرعية المدنية ..
بعد إندلاع حرب 15 أبريل ، حافظت الترويكا على دورها كمرجعية و ممول رئيسي لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) عبر أذرع مثل (USAID) و المنظمات الوسيطة (NED, NDI). و يتم هذا التمويل عبر مسارين :
التمويل الناعم : ميزانيات ضخمة لورش العمل و المؤتمرات الخارجية في عدد من العواصم الاففريقية و الأوروبية تحت غطاء “بناء القدرات” .
الضغط الدبلوماسي و العقوبات : ربط المساعدات الدولية بـ “الشرعية المدنية”، و إستخدام سلاح العقوبات الموجهة ضد القادة العسكريين للضغط نحو عملية سياسية تضمن مقعداً مركزياً لـ (تقدم).
خريطة المصالح داخل الترويكا
لا تتحرك دول الترويكا ككتلة واحدة فبينما تسعى واشنطن لتحجيم النفوذ الروسي و الصيني في البحر الأحمر ، تعمل لندن كمهندس قانوني للإتفاقيات السياسية مع التركيز على ملف الهجرة ، فيما تتولى النرويج ملفات الوساطة و الجندر و قبل كذلك الحريات الدينية و كلما يتصل بالأجندة الكنسية . أما بقية دول الترويكا مثل فرنسا و ألمانيا و بقية دول الإتحاد الأوروبي فهي الأخرى لها أجندتها و مصالحها الخاصة بها .
تقديرات التمويل (2025 – 2026)
الولايات المتحدة : خصصت حوالي 1.2 مليار دولار للسودان ، يذهب منها (150-200) مليون دولار سنوياً لدعم “تقدم” و تنفق في أنشطة الإعلام البديل و غرف الطوارئ و ما يتصل بلجان المقاومة و ذلك لتعزيز شرعيتها وسط القواعد .
المملكة المتحدة : رصدت 110 مليون جنية إسترليني لصياغة الدساتير و تدريب القيادات الشبابية و النسوية .
النرويج و الإتحاد الأوروبي : يساهمان بحوالي 160 مليون دولار عبر “صناديق الإستقرار” المخصصة للوساطة و حقوق الإنسان و الحريات بمختلف أشكالها .
ملاحظة محورية : تُصرف معظم هذه الأموال في دول الجوار (كينيا، إثيوبيا، أوغندا) لتغطية أنشطة الكوادر في المنفى و هي مشروطة بتبني قيم المانح (العلمانية، المحاسبة الدولية و الحريات الشخصية).
مآلات الارتهان .. و السيادة المنقوصة
يخلق إعتماد القوى المدنية على المنح الخارجية (بنسبة تفوق 85%) ما يُعرف بـ (السيادة المنقوصة) ، مما أدى إلى نتائج عكسية :
تآكل الحاضنة الوطنية : إنفصلت هذه القوى عن الواقع الداخلي ، فبدلاً من خطاب يخاطب قضايا الداخل صممت أوراقاً سياسية تخاطب معايير المانح (التحول الأخضر ، الجندر) مما صورها كـ (نخب مغتربة) .
إستراتيجية العصا و الجزرة : يُفرض على المدنيين اتخاذ مواقف متشددة ضد الجيش لضمان التمويل ، في حين يتسم خطابها تجاه “الدعم السريع” بـ “المياعة” و المساواة بين الطرفين في الإنتهاكات ، تماشياً مع رؤية المانح الذي يرى المليشيا طرفاً سياسياً لا بد منه .
بيروقراطية المنح : قتل المبادرة السياسية لصالح “مؤشرات الأداء” و الإرتهان للمستشارين الأجانب ، مما جعل الإتفاقيات سودانية الوجه غربية العقل و المنطق و المصلحة .
السيناريوهات المستقبلية .. ماذا لو توقف التمويل؟
يمثل إنقطاع الدعم الغربي تحدياً وجودياً لهذه النخب (العابرة للحدود) – و قد لاحظتم برمجتهم في أنشطة كثيفة في أوربا و في أفريقيا لخدمة المشروع المفصل لخدمة أجندة الممول – إن وقف التمويل يضع هذه القوى أمام ثلاثة سيناريوهات :
السيناريو الأول (التفكك) : و هو الأرجح ، حيث يؤدي العجز التشغيلي إلى انسحاب الكفاءات و إنفراط عقد تحالف “تقدم” لغياب “لاصق” التمويل .
السيناريو الثاني (الراديكالية الوطنية) : محاولة العودة للداخل بخطاب ثوري لإستعادة الشارع ، و هو خيار يصطدم بحالة الرفض الشعبي العام مما يجعل المهمة شبه مستحيلة .
السيناريو الثالث (الكفيل الإقليمي) : البحث عن تمويل خليجي أو أفريقي ، مما يعني إستبدال أجندة الترويكا بأجندة الكفيل الجديد (مثل قبول دور أكبر للعسكريين) .
الخلاصة .. إن وزن القوى المدنية السودانية حالياً هو “وزن مُعار” و مستمد من الإعتراف الدولي لا القوة الذاتية على الأرض . لقد تحولت العلاقة من دعم للتحول الديمقراطي إلى إعتمادية كاملة ، دفع ثمنها المدنيون من استقلال قرارهم الوطني و عزلتهم الشعبية .

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات