سودان تمورو
سألني محدثي يوماً: “هل تعتقد أن ‘الأمير المنفي’ مجرد بيدق تحركه عواصم النفوذ ولوبيات الحرب الأجنبية، أم أنه شريك أصيل في الخطيئة؟”
في يقيني، تكتسي السياسة في هذه المدارات تعقيداً أعمق بكثير. لا يمكن فهم هذه الشخصية إلا في قالب تراجيدي، قالب يعيد إلى الأذهان سيرة “الملك الضليل” امرؤ القيس في ملاحم العرب وأيامهم؛ فهو ليس مسلوب الإرادة بالكلية، ولا بريئاً من دنس الخطيئة، ولم يكن منذ البداية غارقاً في مستنقع الشر. إنما تولد الفجيعة من رحم تلك اللحظة التي تتقاطع فيها دروب الشك والطموح مع غواية السلطة، وحينها، وبدلاً من أن ينتصب الإنسان كالطود في وجه الظلام، يبدأ في مساومته والانغماس فيه شيئاً فشيئاً، ولكم تمنيت لو أن رواة التاريخ أهدوه صحيفة من تلك الملاحم ليتدبرها.
لم يكن “الملك الضليل” في مبدأ أمره مسخاً، بل كان فارساً يمتلك من الشجاعة ما يجعله يقاتل لاسترداد مجد أبيه، محتفظاً ببقايا من كبرياء وضمير. لكنه في طريق بحثه عن الملك، استعان بقياصرة الروم ودهاة الإمبراطوريات، أولئك الذين لم يأمروه صراحة باقتراف الخيانة، بل اكتفوا بتعليق سراب المستقبل الزاهر أمام ناظريه قائلين: “سيعود إليك عرشك المسلوب”. كانت تلك الكلمات بمنزلة شرارة في هشيم؛ فالقياصرة لم يزرعوا فيه رغبة جديدة، بل أيقظوا شهوة السلطة الغافية في أعماقه. منذ تلك اللحظة، ولج الأمير منطقة محظورة، منطقة يدرك فيها المرء فداحة أفعاله، لكنه يبرع في اختلاق الأعذار لتبريرها.
ويمكن إسقاط هذه المقاربة بدقة على “الأمير الطامح” في زماننا. لعل التوهم ساوره في البداية بأنه قادر على امتطاء موجة اللوبيات المتطرفة، وأروقة المخابرات الغربية، والمناخ العدائي السائد، بغية إضعاف خصومه وتقديم نفسه كبديل حتمي للسلطة. في تلك المرحلة، كان يرى في نفسه لاعباً استراتيجياً لا أداة طيعة، ظاناً أنه يروض قوى التدخل الخارجي لصالحه. بيد أن المأساة تندلع من هذه الزاوية بالذات: فالإنسان الذي يتوهم أنه يستخدم قوى الظلام لخدمة مآربه، يكتشف عاجلاً أم آجلاً أنه قد استحال إلى مجرد ترس في آلة ذلك الظلام.
في أسطورة الملك الضليل، وبعد أن تشربت روحه وعود القياصرة، زُين له أن التخلي عن الحذر هو سمة الملوك، وأن الغاية تبرر الوسيلة. كان يدرك أن استباحة الأوطان خيانة، وأن الطريق الذي يسلكه محفوف بالدنس، لكن بريق التاج أسكت في أعماقه نداء الضمير. وهكذا تتوالى الخطايا، وتُصبح كل سقطة جديدة ضرورة حتمية لستر ما سبقها، ليتحول العرش الذي كان يرجو به المجد إلى حلة مسمومة تحرق جسده وتغرقه في وحل الدم والخوف.
وفي مضمار السياسة المعاصرة، لا يطل علينا كهنة الخراب بعباءات وعصي كما في الأساطير القديمة، بل يتجسدون في هيئة مراكز بحثية، وغرف عمليات أمنية، وحكومات أجنبية، وأبواق إعلامية تقتات على الحرب، ومستشارين يهمسون في أذن الزعيم المعارض: “لقد حانت اللحظة التاريخية، الحرب هي نافذة الفرص، والعقوبات هي طوق النجاة، وانهيار مقدرات الدولة هو جسر العبور نحو الحرية، وكل ضربة تُنهك جسد الوطن هي مكسب صافٍ لك”. تلك هي لحظة السقوط الكبرى؛ اللحظة التي يرتدي فيها الطموح الشخصي رداء الرسالة التاريخية، ويتحدث فيها الخراب بلسان الخلاص.
لكن جوهر القضية يكمن هنا: هذا “الأمير” ليس مجرد ضحية لغواية القوى الخارجية. إنهم يزينون له الطريق، لكنه هو من يختار السير فيه. هم يرسمون له المستقبل، لكنه هو من يحمل خنجر التنفيذ. لذلك، من الإجحاف إلقاء اللائمة بأكملها على العوامل الخارجية؛ فالمأساة تبلغ ذروتها حين يتجاوز الإنسان مرحلة الإغراء ليحوله بمحض إرادته إلى قرار مصيري.
وهذا المنطق ينسحب تماماً على حالة المعارض المنفي. فإذا كان مجرد ورقة تلعب بها الدول الإقليمية والمحافظون الجدد لتحقيق مآربهم، لقلنا إنه مجرد بيدق مخدوع. ولكن، حين يقبل عن وعي وإدراك أن طريق عودته إلى قصر الحكم يمر حتماً عبر خنق شعبه بالعقوبات، واستدعاء التدخل العسكري، وتدمير البنى التحتية، وشل قدرة الدولة على البقاء، واستنزاف مقدرات المجتمع، فإنه يسقط عنه ثوب الضحية. نحن هنا أمام خيار سياسي وأخلاقي بامتياز.
هذه المقاربة تبدو بالغة الأهمية لتفكيك عقلية المعارضة في المنافي. فالذي ينظر إلى وطنه لا ككيان حي ينبض بالحياة، بل كعرش مسلوب يجب استرداده بأي ثمن، قد يصل إلى هاوية يعتبر فيها أنين أمته ومعاناتها مجرد ضريبة ضرورية لعودته المظفرة. ومن تلك اللحظة فصاعداً، تفقد شعارات “الخلاص” و”الحرية” و”الغد المشرق” كل معانيها. يجب أن نتساءل: من أي ركام سيُبنى هذا الغد؟ إذا كان معبده سيُشيد بجماجم أبناء الوطن، وعبر التحالفات المشبوهة والارتهان لمشاريع التفتيت، فلا تسمّوا ذلك خلاصاً؛ بل هي لعنة “الملك الضليل” ذاتها: عرش يبدأ بوهم القوة، وينتهي بحلة مسمومة لا تبقي ولا تذر.
