السبت, مايو 2, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيلماذا تبدو الحرب الشاملة في الشرق الأوسط قدراً محتوماً؟.. بقلم نزار أحمد

لماذا تبدو الحرب الشاملة في الشرق الأوسط قدراً محتوماً؟.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

وسط ضبابية المشهد وتضارب التكهنات حول مآلات الهدنة الحالية، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه كلما ابتعدنا زمنياً عن أصوات المدافع: هل طوينا صفحة الصراع حقاً أم أننا نعيش مجرد استراحة محارب تسبق عاصفة أشد عتواً؟ للإجابة عن هذا التساؤل المعقد، لابد من تجاوز القراءات التكتيكية المحدودة والتحليق نحو المشهد الإستراتيجي الأوسع، وهو مشهد تجلت معالمه بوضوح في الرؤية التي طرحتها القيادة الإيرانية مؤخراً لمستقبل المنطقة، والتي تؤسس لنظام إقليمي جديد لا يوجد فيه أي موطئ قدم للولايات المتحدة.

ولفهم الأسباب التي تجعل من هذه الرؤية الإستراتيجية وصفة حتمية لتجدد الصراع، يجب تفكيك الواقع الجيوسياسي الراهن بموضوعية. فالشرق الأوسط ليس مجرد رقعة جغرافية عابرة، بل هو قلب العالم النابض، وعقدة المواصلات الإستراتيجية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، فضلاً عن كونه الخزان الأكبر للطاقة والمحرك الأساسي لـ “البترودولار”؛ ذلك النظام الذي فرض الهيمنة الاقتصادية الأميركية وشكل العمود الفقري لقوة واشنطن طوال العقود الماضية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن لأي إدارة أميركية عاقلة، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، أن تتخلى طواعية عن هذه المكانة الحيوية. فمهما احتدمت الخلافات الحزبية في الداخل الأميركي لأغراض انتخابية، يبقى الحفاظ على النفوذ في هذه المنطقة عقيدة ثابتة تحظى بإجماع مؤسسات صنع القرار في واشنطن.

في المقابل، فإن المتابع العميـق لآليات تفكير صانع القرار الإيراني يدرك تماماً أن تصريحات المرشد الأعلى الإيراني الأخيرة بشأن مستقبل المنطقة ليست مجرد استهلاك إعلامي أو مواقف مناسباتية، بل هي إعلان عن تدشين مرحلة جديدة من السعي نحو هندسة نظام إقليمي تلعب فيه طهران دور المحور الأكبر، بالتعاون مع دول وشعوب المنطقة، وبمنأى تام عن التدخلات الأميركية. وقد أثبتت التجربة التاريخية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية وحتى اليوم، أن طرح القيادة الإيرانية لرؤى بهذا الحجم والمستوى يعني تحولها الفوري إلى إستراتيجية طويلة الأمد، يجري تنفيذها بخطى حثيثة عبر كافة مؤسسات الدولة وأذرعها.

أمام هذا التناقض الصارخ بين الرؤيتين، تسقط كافة السيناريوهات البديلة وتفقد واقعيتها. فمن السذاجة بمكان أن نتخيل انسحاباً أميركياً طوعياً من المنطقة بحثاً عن مخرج يحفظ ماء الوجه، لأن ذلك يصطدم بجدار المصالح الحيوية العسكرية والسياسية والاقتصادية للولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته، من الخطأ الفادح اعتبار الرؤية الإيرانية مجرد شعارات بعيدة المنال يمكن التنازل عنها على طاولة المفاوضات، إذ يتنافى ذلك مع النهج الثابت الذي تبنته طهران لعقود.

الخلاصة الجلية في هذا المشهد المعقد هي أن كلا الطرفين يقفان على طرفي نقيض، وكل منهما متمسك بمواقفه الإستراتيجية دون أي نية للتراجع. الولايات المتحدة ستوظف كل ما أوتيت من قوة، سواء في الأمد القريب أو عبر موجات متتالية في المستقبل، لإعادة فرض هيمنتها ومنع انهيار النظام الإقليمي الذي يدور في فلكها. وهذا يعني، بلغة الحسابات الجيوسياسية، أن العودة إلى مربع الحرب ليست مجرد احتمال ضعيف أو تشاؤم مفرط، بل هي حتمية هيكلية لا مفر منها؛ ما لم تفقد واشنطن قدرتها الشاملة على تمرير مشروعها، وهو سيناريو لا تدعمه المعطيات الميدانية والسياسية في الوقت الراهن.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات