السبت, مايو 2, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيعدنان إبراهيم في ميزان السياسة: من منابر الثورة والنقد إلى أروقة "الاستقرار"

عدنان إبراهيم في ميزان السياسة: من منابر الثورة والنقد إلى أروقة “الاستقرار”

سودان تمورو

في مطلع العقد الماضي، لم يكن اسم الدكتور عدنان إبراهيم مجرد خطيب جمعة عادي في مسجد الشورى بالعاصمة النمساوية فيينا. لقد تحول الرجل بفضل لغته العالية، وسعة اطلاعه الفلسفي والديني، وطرحه الجريء، إلى ظاهرة اجتاحت العالم العربي. كان صوتاً يغرد خارج السرب، يفكك التراث، وينتقد الاستبداد السياسي، مما جعله أيقونة لدى شريحة واسعة من الشباب العربي الباحث عن التجديد.

لكن المفكر الذي طالما صدح بصوته ضد الأنظمة التقليدية، وجد نفسه مؤخراً في قلب عاصفة من الجدل بعد سلسلة من المواقف التي أظهرت تقارباً واضحاً مع دولة الإمارات العربية المتحدة، مما أثار حفيظة وغضب طيف واسع من متابعيه، وعلى رأسهم ما يُعرف بـ “محور المقاومة”. فكيف حدث هذا التحول؟ وما هي دواعيه وتداعياته؟

لفهم حجم الصدمة لدى جمهور الدكتور عدنان إبراهيم، يجب العودة قليلاً إلى الوراء لاستذكار خطابه القديم.

في أوج “الربيع العربي”، كان إبراهيم من أشرس المدافعين عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. من على منبره، هاجم الأنظمة العربية التقليدية، وانتقد بشدة التوظيف السياسي للدين من قبل المؤسسات الرسمية، وتحديداً ما كان يصفه بـ “الوهابية” والأنظمة الخليجية الداعمة لها.

في تلك الفترة، تقاطع خطابه بشكل غير مباشر مع سرديات “محور المقاومة”. هجومه العنيف على التاريخ الأموي، ونقده اللاذع لشخصيات تاريخية طالما حظيت بحصانة لدى المؤسسة السنية التقليدية، جعله مفضلاً لدى الجمهور الشيعي والمقربين من المحور الإيراني. كانوا يرون فيه صوتاً سنياً مستنيراً يضرب جذور التطرف من الداخل، ويقف ضد الأنظمة المدعومة أمريكياً في المنطقة.

بمرور السنوات، بدأ الخطاب يتغير. خفت حدة النقد، وتراجعت خطب الثورة، لتحل محلها دعوات للهدوء والاستقرار. وصل هذا التحول إلى ذروته عندما بدأ الدكتور عدنان إبراهيم يظهر في وسائل إعلام خليجية، وتحديداً من خلال زياراته وإشاداته المتكررة بدولة الإمارات.

لقد صرح في أكثر من مناسبة بإعجابه بالنموذج الإماراتي، واصفاً إياه بنموذج “التسامح، والتعايش، والأخوة الإنسانية”. هذا الانتقال من نقد الأنظمة إلى الإشادة بنموذج سياسي بعينه، شكل نقطة انقطاع حادة مع ماضيه الخطابي.

ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن الزلزال الذي ضرب المنطقة العربية. ويمكن تلخيص دوافع هذا التغير في مسارين رئيسيين:

  1. صدمة المآلات (المسار الفكري):

يرى المدافعون عن عدنان إبراهيم أن الرجل يمتلك شجاعة التراجع والمراجعة. لقد راقب المفكر مآلات “الربيع العربي” في سوريا وليبيا واليمن، ورأى كيف تحولت المطالب بالحرية إلى حروب أهلية طاحنة، وكيف تصدرت الحركات الراديكالية المتطرفة (مثل داعش) المشهد.

هذه الصدمة جعلته، كغيره من المفكرين، يعيد ترتيب أولوياته؛ فبات يرى في “الدولة الوطنية المستقرة” أولوية قصوى تسبق “الديمقراطية الفوضوية”. وفي هذا السياق، وجد في الإمارات نموذجاً لدولة قوية، تحارب التطرف (الإسلام السياسي)، وتتبنى خطاباً دينياً متسامحاً يتقاطع مع مشروعه الفكري في التجديد الديني.

  1. البراغماتية والبحث عن المنابر (المسار السياسي):

في المقابل، يرى المنتقدون أن التحول تقف خلفه دوافع براغماتية بحتة. فالمشاريع الفكرية الكبرى تحتاج إلى ماكينة إعلامية ضخمة لترويجها. ومع انحسار زخم المنابر المستقلة في أوروبا وتضييق الخناق على تيارات الإسلام السياسي، أدرك إبراهيم أن الوصول إلى الجمهور الأوسع يتطلب التماهي مع القوى التي تملك النفوذ الإعلامي والسياسي في المنطقة. ويشير هؤلاء إلى أن تراجع إبراهيم عن بعض أطروحاته الجدلية (مثل اعتذاره الشهير عن سب بعض الصحابة في لقاءات تلفزيونية سابقة) كان بمثابة “عربون دخول” إلى الساحة الإعلامية الخليجية المعتدلة.

كان غضب جمهور محور المقاومة مضاعفاً. فمن جهة، هم يعتبرون دولة الإمارات اليوم خصماً استراتيجياً، خاصة بعد توقيعها “الاتفاقيات الإبراهيمية” (التطبيع مع إسرائيل)، وموقفها الحازم ضد تيارات الإسلام السياسي وفصائل المقاومة.

بالنسبة لهذا المحور، فإن إشادة عدنان إبراهيم بالإمارات ليست مجرد رأي سياسي، بل هي “خيانة” لمبادئ طالما نادى بها، واصطفاف مع المعسكر الذي يرى أنه يصفي القضية الفلسطينية. لقد تحول في نظرهم من “مفكر حر” يفضح الاستبداد، إلى “مثقف سلطة” يُستخدم لشرعنة سياسات التطبيع وضرب حركات التحرر.

ويترتب على هذا التحول المثير للجدل عدة نتائج ترسم مستقبل حضور الدكتور عدنان إبراهيم:

تآكل الموثوقية: الخسارة الأكبر للمفكر هي فقدان مصداقيته لدى شريحة الشباب التي آمنت به كصوت مستقل. عندما يتغير الخطاب الجذري إلى مهادنة سياسية، يصبح من السهل على الخصوم اتهام المفكر بتطويع الدين والفكر لخدمة السلطان.

تغيير ديموغرافية الجمهور: فقد إبراهيم الكثير من الإسلاميين الثوريين والمحسوبين على محور المقاومة، لكنه في المقابل قد يكسب جمهوراً جديداً من النخب المعتدلة، أو المؤيدين لنموذج الدولة الوطنية التي ترفض تسييس الدين.

درس للمثقف العربي: تمثل حالة عدنان إبراهيم نموذجاً دراسياً حياً لأزمة المثقف العربي الحديث؛ وكيف أن محاولة السير على حبل مشدود بين الأفكار المثالية والواقع السياسي المعقد تنتهي غالباً بالسقوط في فخ الاستقطاب الحاد.

سواء كان الدكتور عدنان إبراهيم قد وصل إلى قناعاته الجديدة عبر مراجعات فكرية صادقة فرضتها بحار الدماء في الشرق الأوسط، أو عبر تفاهمات براغماتية تضمن استمرار مشروعه الإعلامي، فإن النتيجة واحدة: لقد نزل الرجل من علياء المنبر المستقل في فيينا، ليخوض في وحل السياسة العربية، حيث لا مكان للملائكة، وحيث تُدفع ضريبة المواقف خصماً من الرصيد التاريخي للمفكر.

أتمنى أن يكون هذا المقال ملبياً لتطلعاتك وشاملاً للجوانب التي رغبت في تسليط الضوء عليها. يمكنك استخدام هذا النص، أو التعديل عليه ليتناسب تماماً مع السياق الذي ستنشره فيه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات