الأربعاء, مايو 6, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيبرلين تكشف عورات التحالف مع واشنطن؟.. بقلم احمد حسن

برلين تكشف عورات التحالف مع واشنطن؟.. بقلم احمد حسن

سودان تمورو

يمكن اعتبار العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، أو ما بات يُعرف بـ “حرب رمضان”، نقطة تحول مفصلية وعلامة فارقة في مسار السياسة الخارجية الألمانية تجاه الشرق الأوسط عموماً، وإيران على وجه الخصوص. لم تكتفِ هذه الحرب بنسف الافتراضات المسبقة التي سادت في أروقة صنع القرار في برلين حول هشاشة طهران وصوابية منطق التدخل الأمريكي، بل وضعت ألمانيا أمام استحقاق قاسٍ ومربك؛ وهو البحث عن توازن جديد يحمي مصالحها الأمنية والاقتصادية الحيوية، دون الإخلال العنيف بالتزاماتها الأطلسية التاريخية. إن جوهر المسألة هنا لا يقف عند حدود التغير الشكلي في اللهجة السياسية الألمانية تجاه واشنطن وطهران، بل يتجاوزه إلى إعادة صياغة جذرية في الإدراك الاستراتيجي للنخبة الألمانية لواقع موازين القوى في المنطقة، ولطبيعة الدور الأمريكي كشريك يُفترض أنه حليف استراتيجي.

لقد أسقطت المعطيات الميدانية لتلك الحرب الكثير من الحسابات الخاطئة والتقديرات المتسرعة لبعض الساسة الألمان، والتي كانت تراهن على سرعة انهيار النظام في طهران وإمكانية فرض تغيير سريع لهيكل السلطة. وقد تجلى هذا الانقلاب في الرؤية من خلال التصريحات اللاحقة للمستشار الألماني، والتي أقر فيها بصمود إيران الميداني الذي فاق التوقعات الأمريكية، وغياب أي استراتيجية خروج واضحة لدى واشنطن. هذا التموضع الألماني الجديد ليس مجرد مناورة تكتيكية عابرة، بل هو انعكاس لوعي متزايد في برلين بالصلابة الهيكلية للنظام الإيراني، وخشية عميقة من التورط في سيناريوهات كارثية قد تفضي إلى تفكيك النظام الإقليمي بأسره.

ومن هذا المنطلق، تحول مفهوم “تغيير النظام” في العقلية الاستراتيجية الألمانية من خيار سياسي مطروح على الطاولة إلى تهديد وجودي يُنذر بعواقب وخيمة. بالخرطوم وبرلين تدركان جيداً – وإن اختلفت الزوايا – أن أي انهيار مفاجئ ومطلق للنظام في إيران سيفتح أبواب الجحيم على أوروبا، بدءاً من موجات هجرة جماعية غير مسبوقة، مروراً بتفجر بؤر صراع جديدة، وصولاً إلى شلل تام في إمدادات الطاقة العالمية. بناءً على ذلك، بدأت برلين تنأى بنفسها بهدوء عن مسار “الضغوط القصوى” الأمريكي، مفضلةً الانحياز إلى مربع احتواء التصعيد، وتفعيل الدبلوماسية، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع طهران.

ولم يقف الزلزال عند حدود النظرة لإيران، بل امتد ليكشف عن هوة سحيقة آخذة في الاتساع بين المصالح الأمريكية والأوروبية في الشرق الأوسط. فبالنسبة لألمانيا، لم يعد الخلاف مع واشنطن مجرد تباين في وجهات النظر السياسية، بل بات يقيناً راسخاً بأن الأولويات الأمنية للولايات المتحدة تتصادم بشكل مباشر مع المصالح الألمانية الحيوية. لقد شكلت الخطوات الأمريكية بسحب المخزونات الاستراتيجية للأسلحة من أوروبا وتوجيهها نحو الشرق الأوسط، والمماطلة في تسليح الحلفاء الأوروبيين، جرس إنذار لبرلين بأن القارة العجوز لم تعد سوى تفصيلة ثانوية في سلم أولويات واشنطن. يضاف إلى ذلك الحساسية المفرطة للاقتصاد الألماني تجاه أمن مضيق هرمز واستقرار أسعار الطاقة، مما جعل برلين تنظر إلى مغامرات واشنطن العسكرية ليس كأداة ضغط فعالة، بل كخنجر مسموم يهدد أمنها الاقتصادي والقومي.

ونتيجة لهذه التراكمات، بدأت ملامح سياسة ألمانية أكثر ميلاً للاستقلالية تلوح في الأفق الخارجي، حيث باتت برلين ترفع لواء الدبلوماسية وتتجنب التورط في دوامات التصعيد. إلا أن هذا الطموح المحمود يصطدم بجدار من القيود الصارمة؛ فارتباط الماكينة الصناعية الألمانية بالسوق الأمريكية، والوجود العسكري الأمريكي الكثيف على الأراضي الألمانية، والارتهان لواشنطن في الملف الأوكراني، كلها عوامل تكبل صانع القرار الألماني وتمنعه من فك الارتباط الكامل بالعباءة الأمريكية.

في المحصلة، لم تكن “حرب رمضان” مجرد أزمة إقليمية نائية بالنسبة لألمانيا، بل كانت اختباراً قاسياً لكشف حدود التبعية الأمنية، ومقياساً لمدى قدرة برلين على التحليق بجناحيها لحماية مصالحها. ورغم أن النتيجة المباشرة لهذا الاختبار تجلت في جرعة زائدة من الحذر الاستراتيجي والعودة للغة العقل الدبلوماسي، إلا أن ألمانيا تدرك تماماً أنها لا تزال عالقة في فك كماشة؛ فأي محاولة للتمرد الجذري على واشنطن ستجلب عليها غضباً أطلسياً لا طاقة لها به، والبقاء في مربع التبعية العمياء سيوردها مهالك الانهيار الاقتصادي والتهديد الأمني المباشر.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات