سودان تمورو
في مشهد سياسي يعيد إنتاج نفسه بوتيرة مقلقة، تطل علينا الدبلوماسية الأمريكية مجدداً عبر نافذة التغريدات المألوفة، لتعزف على وتر التهديد المبطن بوعود أقرب ما تكون إلى السراب. إننا أمام تكرار فج للأجندة المعتادة التي خبرناها طويلاً؛ حيث يُلوَّح بـ “جزرة” وهمية لا وجود لها إلا في مخيلة من يطرحها، بينما تُشرع “عصا” غليظة في وجه الخصوم، في تكتيك تفاوضي محفوف بمخاطر الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة. التغريدة الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة سياسة “حافة الهاوية”، حيث يتم وضع طهران أمام خيارين أحلاهما مر، في محاولة لفرض استسلام سياسي تحت وطأة التهديد الوجودي.
عند تفكيك الشق الأول من هذه الرسالة المزدوجة، نجد أن ترامب يطرح افتراضاً يصفه هو نفسه بأنه “فرض كبير”، وهو أن تقبل طهران بالتنازلات المطلوبة. المقابل المعروض هنا هو إنهاء ما أسماه “الغضب الملحمي الأسطوري”، والسماح بفتح مضيق هرمز للجميع، بما في ذلك إيران، عبر ما وصفه بالحصار الفعال. هذا الطرح يجسد جوهر “الجزرة الوهمية”؛ فهو يقدم العودة إلى الوضع الطبيعي المتمثل في حرية الملاحة والتجارة – وهو حق أصيل تقره القوانين الدولية – كمنحة أو مكافأة أمريكية مرهونة بالاستسلام الكامل للإملاءات. إن صياغة التهدئة في قالب “الحصار المفتوح” تعكس مفارقة لغوية وسياسية، تؤكد أن الغاية ليست الوصول إلى تسوية متوازنة، بل إعادة هندسة موازين القوى في الخليج بما يضمن هيمنة مطلقة لا تترك للطرف الآخر سوى هامش المناورة الذي تسمح به واشنطن.
أما الشق الثاني من التغريدة، فيميط اللثام عن الوجه الحقيقي لهذه الدبلوماسية الخشنة، حيث يبرز التهديد المباشر والصريح: “إذا لم يوافقوا، يبدأ القصف، وللأسف سيكون بمستوى وكثافة أعلى بكثير من ذي قبل”. هنا تختفي الدبلوماسية تماماً لتحل محلها لغة المدافع. هذا التلويح بالتصعيد العسكري غير المسبوق لا يعكس فقط استراتيجية “الضغط الأقصى”، بل يكشف عن رغبة في استخدام ورقة الحرب كأداة ابتزاز قصوى. إن هذه التهديدات تتجاوز مجرد الحرب النفسية لتؤسس لبيئة محتقنة قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة نتيجة سوء تقدير من أي طرف.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تستحق هذه التغريدات فعلاً ذلك القدر من التحليل والاهتمام؟ في رأيي، هذه الرسائل موجهة بالأساس إلى القاعدة الشعبية لترامب، وليس إلى صانع القرار الإيراني. فطهران تدرك جيداً أن الرجل عاجز عن تنفيذ تهديداته، خاصة بعد فشله الذريع في حروبه السابقة معها، وتراجع مصداقيته على الساحة الدولية. نحن كمراقبين ومحللين لا ينبغي أن نشغل بالنا كثيراً بمحتواها، لأنها في النهاية جزء من مسرحية سياسية تهدف إلى تعبئة الأنصار، وليس إلى تغيير المعادلات الإقليمية.
في نهاية المطاف، يبدو أن هذه التصريحات لا تمهد الطريق لتسوية تاريخية، بل تكرس لحالة من اللايقين الاستراتيجي، جاعلة من مضيق هرمز برميلاً للبارود ينتظر عود ثقاب، في لعبة خطرة تُستخدم فيها لغة السلام كغطاء لقرع طبول الحرب. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في التغريدات نفسها، بل في من يمنحها وزناً أكبر من حجمها، بينما الواقع يؤكد أن التهديدات الفارغة لا تصنع تاريخاً، بل تذكّرنا فقط بضعف من يطلقها.
