سودان تمورو
يعكس استمرار الاعتصام في الساحات الإيرانية لأكثر من شهرين تحوّلاً لافتاً في وظيفة الفضاءات العامة، إذ يسعى المشاركون إلى منع تكرار حالة الفراغ التي استغلّتها احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026، والتي أدّت إلى اضطرابات واسعة في البلاد.
وتحت شعار “الجبهات لكم والساحات لنا”، انخرط عموم الشعب الإيراني، رجالاً ونساءً، شباباً وأطفالاً ومسنين، على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والمهنية والعلمية، في اعتصام مفتوح وحضور ليلي يمتدّ، في بعض المناسبات، حتى ساعات الفجر، في الساحات العامة والشوارع الكبرى في العاصمة طهران، وسائر المدن في مختلف المحافظات. ويهدف هذا الحضور إلى عدم ترك الساحات فارغة، حتى لا يملأها المناوئون للنظام، وتتكرر أحداث كانون الثاني/يناير الأليمة التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف شخص خلال يومين.
بدأت هذه الاعتصامات منذ اليوم الثاني للحرب، وقد تجاوزت اليوم شهرها الثاني، مع نيّة المشاركين الاستمرار حتى نهايتها. ويتجدّد الحماس بين الحاضرين عبر الشعارات الجماعية والأناشيد الثورية والوطنية، ورفع الأعلام الإيرانية بكثافة. كما يحمل المشاركون صور قادة الثورة والشهداء، سواء سيراً على الأقدام أو ضمن مواكب سيارات، مطالبين بالثأر لـ”شهيد الأمة” السيد علي خامنئي وسائر الشهداء، والدفاع عن الوطن ونظام الجمهورية الإسلامية، ودعم المقاتلين. ولا تتوقف كذلك الشعارات المناهضة لسياسات الولايات المتحدة و”إسرائيل”، والداعمة لقيم إيران الوطنية والإسلامية وجهود القوات المسلحة.
في هذا السياق، يقول أستاذ علم الاجتماع، خورشيد أزمنديان، في حديثه لـلميادين نت، إن هذا الحضور المستمر لا يُقرأ فقط كحراك شعبي، بل كفعل دفاعي عن الجغرافيا الإيرانية الممتدة على أكثر من 1.6 مليون كيلومتر مربع، وعن استقرار الدولة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
من أداة تغيير إلى أداة حماية واستمرارية
تستعيد الساحات في إيران دورها التاريخي منذ انتصار الثورة عام 1979، لكن هذه المرة بوظيفة مختلفة؛ إذ لم تعد أداة لإسقاط النظام، بل وسيلة لحمايته وإعادة تجديد شرعيته. ويقول محمد حيدري، في حديثه لـلميادين نت، إن الساحات اليوم أصبحت بيد المدافعين عن النظام والثورة، في ظل انشغال المقاتلين على الجبهات بمواجهة التهديدات، ومراقبة أي عمليات تسلل أو اعتداء جوي أو بري أو بحري. ويضيف أن الحضور الشعبي في الساحات يشكّل “حماية لظهر المقاتلين” في مواجهة أي اضطراب داخلي محتمل، مشيراً إلى تلاقي عوامل داخلية وخارجية تسعى إلى تقويض نظام الثورة واستهداف تجربة الاستقلال بعيداً عن النفوذ الأميركي والإسرائيلي.
وهكذا، تبدو ساحات إيران في ذكرى انتصار الثورة الإسلامية لعام 2026 وكأنها تدخل مرحلة جديدة من تاريخها؛ فهي ليست مجرد امتداد لذاكرة الثورة، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة، ومنع تكرار سيناريوهات استغلال الشارع في لحظات الفراغ، عبر إبقائه حاضراً وممسوكاً من قبل جمهور يعتبر نفسه في موقع الدفاع عن الثورة واستمراريتها.
ويقول علي أكبري معلم، مدير إدارة الحوكمة والإدارة في مركز البحوث الإسلامية التابع للبرلمان، في حديثه لـلميادين نت، إن أفضل أشكال التنشئة السياسية بعد الثورة الإسلامية تجري اليوم في هذه الساحات. ويؤكد أن استمرار هذه الحركة الشعبية، مع إعادة إحياء المعتقدات الأساسية للثورة، يسهم في نقل القيم السياسية والدينية والوطنية إلى الأجيال الجديدة، من خلال مشاركة الأطفال والمراهقين والشباب في رفع الأعلام، وحمل صور القادة، وترديد شعارات الثورة إلى جانب الكبار.
وحدة وطنية تتجاوز الانقسامات
في هذه الأيام المفصلية من تاريخ إيران المعاصر، يرى الإيرانيون أن تعزيز الوحدة والتماسك الوطني، وترك الخلافات جانباً، يمثل أولوية قصوى. ففي الساحات والشوارع، توجد شرائح متعددة من المجتمع، تشعر بالتهديد، لكنها في الوقت ذاته تستحضر مشاعر الفخر بالوطن والدين والثورة.
وتشمل هذه المشاركة مختلف الأعراق، كالفُرس والأتراك والكُرد واللور والمازندرانيين والعرب والسيستانيين والبلوش، ومختلف الأديان والمذاهب، بما فيها الشيعة والسنة والمسيحيون والزرادشتيون، إضافة إلى تنوّع سياسي واجتماعي واسع يضم رجال الدين والمعلمين والعمال والمزارعين والتجار والمسؤولين. ويجتمع هؤلاء جميعاً حول هدف مشترك يتمثل في حماية الوطن والدين، ودعم القيادة والقوات المسلحة.
ويُلاحظ أن الاختلافات لم تؤثر في وحدة المجتمع، بل على العكس، جرى تجاوزها لمصلحة خطاب وطني جامع يضع المصالح العليا للبلاد فوق كل اعتبار. وقد حرصت مختلف الأطراف، من الشعب والمسؤولين والشخصيات المؤثرة، على تجنّب أي ممارسات قد تؤجّج الانقسامات، بما يعزّز فرص مواجهة التحديات بشكل جماعي.
ومن المشاهد اللافتة حضور نساء بأنماط لباس متنوعة؛ بعضهن بحجابات مختلفة، وأخريات بالكوفية أو القبعات العسكرية وأزياء التعبئة وحرس الثورة. وتشير هذه الظاهرة إلى تحوّلات في المواقف، خاصة لدى فئات كانت تُصنَّف سابقاً ضمن صفوف المعارضة، حيث دفعت التطورات الأخيرة، واستشهاد قائد الثورة والجمهورية، إلى إعادة تقييم المخاطر، لا سيما ما يتعلق بإمكانية انزلاق البلاد نحو سيناريوهات التفكك، كما شهدتها سوريا والعراق وأفغانستان والصومال وليبيا.
حضور يحقق خطاب القيادة
في إحدى خطبه، عقب إخماد ما وُصف بـ”شبه الانقلاب” خلال احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026، أشار السيد علي خامنئي إلى دور الشعب في مواجهة الأزمات، قائلاً: “بعد ذلك، إذا وقع مكروهٌ للبلاد، فإن الله تعالى سيرسل هؤلاء الناس لمعالجته، وسيتولى الشعب زمام الأمور”.
ويرى الإيرانيون اليوم، في حضورهم المكثف في الساحات، تحققاً لهذه الرؤية، حيث يتحوّل الوجود الشعبي إلى حركة جماعية تُوصَف بالعفوية، لكنها في الوقت ذاته واعية بطبيعة التحديات. وبالتالي، أصبح هذا الحضور شكلاً من أشكال الدفاع عن النظام والقيم الثورية، وإنهاء الخلافات الداخلية، والتركيز على مواجهة ما يُنظر إليه كتهديدات تمسّ وحدة البلاد ومستقبلها.
في المحصلة، تكشف ظاهرة الاعتصام المفتوح في الساحات الإيرانية عن تحوّل لافت في دور المجتمع، من متلقٍ للأحداث إلى فاعل رئيسي في إدارة التوازنات الداخلية وإعادة إنتاج الاستقرار، وتجسيد وعي جمعي يسعى إلى حماية الدولة ومنع الانزلاق نحو الفوضى.
