سودان تمورو
حين يتحدث وزير الزراعة والري، عصمت قرشي، عن تبوُّؤ الصادرات الزراعية المرتبة الثانية بعد الذهب، وبمساهمةٍ نقدية لمحصول السمسم وحده بلغت 330 مليون دولار خلال عام 2025؛ فإننا لسنا أمام مجرد أرقام صماء، بل أمام “صافرة استيقاظ” متأخرة لاقتصادٍ ظل لعقودٍ رهيناً لسياسة “البيضة الواحدة في السلة الواحدة”. إن هذه الأرقام، على بريقها، تعيد فتح الجرح الغائر في جسد الاقتصاد السوداني، وهو جرح “الارتهان للمورد الواحد” الذي أدمنته الحكومات المتعاقبة، متجاهلةً أن عبقرية السودان تكمن في تنوعه لا في حصره داخل نفق ضيق.
لقد عاش السودان لسنوات طويلة تحت تخدير “النفط”، يوم أن كانت الآبار تضخ الأموال والوعود، فنامت المحاريث في مخازنها، وأُهملت قنوات الري، وصار الاعتماد الكلي على براميل الخام التي ما لبثت أن ذهبت مع رياح الانفصال، ليجد السودان نفسه أمام فجوة اقتصادية لم يرممها سوى الهروب نحو “الذهب”. واليوم، يتكرر المشهد ذاته مع المعدن الأصفر؛ حيث وُجهت كل الجهود والطاقات نحو التنقيب، وكأن الأرض ليس في جوفها إلا الذهب، متناسين أن “الذهب الأخضر” المتمثل في الزراعة، والحيوان، هو المورد المتجدد الذي لا ينضب، والضمان الحقيقي للأمن الغذائي القومي والعالمي.
إن المعضلة الكبرى التي واجهت الدولة السودانية لم تكن يوماً في قلة الموارد، بل في “عجز الإرادة” عن تفعيل كل مقومات البلاد الاقتصادية دفعة واحدة. فالسودان لا يحتاج للمفاضلة بين الذهب والسمسم، أو بين النفط والثروة الحيوانية؛ بل يحتاج إلى “أوركسترا اقتصادية” تعزف على كل الأوتار في وقت واحد. إن النهضة الحقيقية التي يمكن أن تضع السودان في مصاف الدول المتقدمة تتطلب استراتيجية متوازنة تقوم على ثلاثة أعمدة: التعدين، والزراعة، والثروة الحيوانية. هذا الثالوث إذا ما أُحسن التعامل مع عائداته، وُجهت نحو التنمية المستدامة لا نحو الاستهلاك اللحظي، كفيلٌ بقلب الموازين لصالح المواطن السوداني.
ومع ذلك، تظل كل هذه الأرقام والآمال معلقة بشرطين لا يقبلان القسمة على اثنين: “مكافحة الفساد” و”الشفافية في إدارة العائدات”. فما فائدة أن يدر السمسم مئات الملايين، أو يضخ الذهب أطناناً من العملة الصعبة، إذا كانت المسارات التي تسلكها هذه الأموال تتسرب في قنوات غير شرعية أو تضيع في دهاليز البيروقراطية والفساد؟ إن النجاح الذي حققه محصول السمسم في 2025 يجب أن يكون حافزاً لتغيير النهج، وليس ذريعة للاسترخاء. إن المطلوب اليوم هو تحويل هذه “الطفرات” إلى “سياسات”، والتوقف عن سياسة رد الفعل الاقتصادي، والبدء في بناء اقتصاد متعدد الركائز يحمي السودان من تقلبات الأسعار العالمية ويحرره من لعنة المورد الواحد، ليكون الذهب في باطن الأرض والسمسم فوقها، شريكين في صناعة نهضة طال انتظارها.
