الأربعاء, مايو 13, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيأفول الإمبراطورية!.. بقلم رعد الناصري

أفول الإمبراطورية!.. بقلم رعد الناصري

سودان تمورو

في مشهدٍ يكاد يكون سريالياً، تنتشر صورة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على متن الطائرة الرئاسية المتجهة إلى الصين، وهو يرتدي بذلة رياضية تماثل تلك التي كان يرتديها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لحظة إعلان واشنطن عن اعتقاله في عملية استعراضية. قد تبدو اللقطة للوهلة الأولى مجرد مصادفة عابرة أو خيار أزياء غريب، لكن في عالم السياسة الدولية حيث كل لفتة محسوبة، يتحول هذا الزي إلى رسالة بليغة، ويطرح سؤالاً أعمق: هل ما نراه هو استعراضٌ للقوة، أم قوةٌ للاستعراض؟

إن هذه الواقعة ليست معزولة، بل هي فصل جديد في مسرحية سياسية دأبت عليها الإدارة الأمريكية في السنوات الأخيرة، في محاولة لتعويض انحسار نفوذها الفعلي بلغة الرموز والإهانات المسرحية. ما زالت الذاكرة تحتفظ بمشاهد تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قادة العالم؛ من استقباله البارد للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى إجلاسه لرئيس وزراء المجر على مقعد صغير دون مساند ليبدو كتلميذ يتم توبيخه، وصولاً إلى ترك الزعماء الأوروبيين في الانتظار كأنهم طلاب أمام مدير مدرسة. حتى فلاديمير بوتين، تم اصطحابه في جولة بجوار مقاتلات “إف-35” في استعراض فج للقوة العسكرية، وكأن الترسانة وحدها كافية لترجمة الهيمنة.

هنا تكمن المفارقة الكبرى. في زمن مضى، كان تحريك حاملة طائرات أمريكية واحدة أو صدور بيان مقتضب من البيت الأبيض كفيلاً بتغيير مسارات الأحداث العالمية ورسم خرائط النفوذ. كانت القوة حقيقية، ملموسة، ومستندة إلى تفوق اقتصادي وعسكري وهيمنة سياسية لا تقبل الجدال. أما اليوم، فتبدو واشنطن وكأنها سقطت في فخ الاعتماد على هذه الإيماءات الرخيصة والمشاهد المصطنعة. فأي دولة تمتلك قوة حقيقية، متجذرة في واقعها الاقتصادي والأمني، تحتاج إلى التفكير في نوع الكرسي الذي سيجلس عليه ضيفها لتبث صورة معينة للعالم؟

الإجابة واضحة وصادمة: القوة الحقيقية لا تحتاج إلى هذا الصخب المسرحي. عندما تلجأ قوة عظمى إلى هذه الأساليب لإثبات وجودها، فهذا لا يُنم إلا عن خواء استراتيجي وأزمة ثقة عميقة. إنها محاولة يائسة لترميم صورة القوة المتصدعة عبر أفعال استعراضية لا يمكنها أن تحل محل التأثير الفعلي. فالقوة تُبنى على أرض الواقع، في ميادين الاقتصاد والتكنولوجيا والتفوق العسكري الحاسم، وليس عبر إخراج مسرحيات هزلية تفتقر إلى أبسط الأعراف الدبلوماسية وتكشف عن انحطاط قيمي وسياسي.

وبالعودة إلى مشهد بذلة مادورو، فإن دلالته تتضح أكثر في سياق الزيارة إلى الصين. لقد استعدت واشنطن لهذه الزيارة لأشهر، ساعيةً لتحقيق أي نصر تكتيكي، ولو صغير، في ساحة دولية معقدة لتقوية موقفها التفاوضي أمام بكين. لكنها فشلت في فرض إرادتها في مناطق نفوذ حيوية، وواجهت تحديات أضعفت موقفها قبل أن تطأ الطائرة الرئاسية أرض الصين. وفي ظل وضع اقتصادي وداخلي صيني أكثر استقراراً، وتآكل الصورة النمطية للتفوق العسكري الأمريكي المطلق بعد فشلها في حسم صراعات ضد خصوم إقليميين، لم يجد الفريق الأمريكي ما يضعه على طاولة المفاوضات سوى “بذلة مادورو”.

إن الرسالة التي أرادوا إيصالها للصين – بأننا أقوياء لدرجة أننا نعتقل رؤساء دول – ارتدت عليهم لتكشف عن العكس تماماً. لقد كشفت أن القوة الأمريكية باتت هشة لدرجة أنها تحتفي بإنجاز أمني ضد دولة منهكة كفنزويلا، وتستخدمه كورقة رمزية في مواجهة عملاق اقتصادي وعسكري بحجم الصين. هذا التصرف لا يخلق توازناً، بل يؤكد غياب القدرة على تحقيقه بالوسائل الحقيقية. إنه اعتراف ضمني بأن عصر الهيمنة الأمريكية الأحادية قد ولى، وأن هذه الفقاعات الإعلامية والاستعراضات المبتذلة ليست سوى محاولات بائسة لإطالة أمد إمبراطورية تعيش لحظات أفولها الأخير.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات