سودان تمورو
حين ترفض مؤسسة إعلامية عريقة عرض فيلم وثائقي لأسباب “تحريرية”، ثم يمنح الفيلم نفسه جائزة بافتا البريطانية، إحدى أرفع جوائز السينما والتلفزيون في العالم، فإن القضية تتجاوز تقديراً فنياً.
نحن أمام نموذج صريح لما يُسمى “الإعلام الموجّه”: حيث يتحول القرار المهني إلى أداة سياسية، ويصبح الحجب أكثر تعبيراً من النشر.
الواقعة: “غزة: أطباء تحت النار” بين رفض الـ BBC وتتويج البافتا
رفضت هيئة الإذاعة البريطانية BBC عرض الفيلم الوثائقي Gaza: Doctors Under Attack رغم إنتاجه بداخلها. المبرر المعلن كان “مخاوف تحريرية” و”حيادية المؤسسة”. لكن المفارقة أن العمل ذاته فاز بجائزة بافتا البريطانية لأفضل وثائقي إخباري، في اعتراف مهني بأن المادة تحقق معايير الدقة والشجاعة الصحفية.
الرفض لم يكن على مستوى الجودة، بل على مستوى الرسالة.
الفيلم يوثق شهادات أطباء فلسطينيين عن استهداف المستشفيات والطواقم الطبية في غزة. وهنا يظهر سؤال الإعلام الموجّه: متى تتحول “الحيادية” إلى حجب للحقيقة، ومتى يصبح الخوف من الغضب السياسي أقوى من الالتزام بحق الجمهور في المعرفة؟كيف يتم توجيه الإعلام؟ ثلاث آليات متكررة
قبل أن يصل المحتوى للجمهور، تُفرض عليه مراجعات “حساسية سياسية”. في حالة BBC، تم سحب الفيلم بعد ضغوط من جماعات لوبي مؤيدة لإسرائيل، بحجة الخوف من “التحيز”. النتيجة: قرار تحريري يُتخذ في غرف مغلقة، لا في غرف الأخبار.
كثير من القنوات الدولية تظهر “توازناً شكلياً”: دقيقة لمتحدث فلسطيني مقابل ثلاث دقائق لمسؤول إسرائيلي، مع تعليق تحريري يميل لتكرار الرواية الإسرائيلية كسياق وحيد. التوازن هنا شكلي، لكن التوجيه حقيقى
.لغة الصياغة والمفردات استبدال كلمة “قتل” بـ”مقتل”، و”احتلال” بـ”نزاع”، و”مستوطنة” بـ”حي سكني”. هذه ليست حيادية لغوية، بل هندسة للوعي تُخفف من وقع الجريمة وتُعادل بين الجاني والضحية.نماذج لاصطفاف مؤسسات إعلامية دولية كبرى مع الرواية الإسرائيلية
CNN و BBC: في تغطية حرب غزة 2023-2024، وثّقت دراسات تحليلية لمؤسسة Media Lens وThe Intercept أن نسبة استخدام كلمات “مذبحة” و”إرهاب” لوصف قتلى الإسرائيليين كانت أعلى بمرات من استخدامها لوصف قتلى الفلسطينيين، رغم الفارق الكبير في الأعداد. كما جرى تأخير نشر صور ضحايا الأطفال الفلسطينيين، بينما نُشرت صور الجانب الإسرائيلي فوراً.
نيويورك تايمز وواشنطن بوست: تحقيقات داخلية كشفت عن مذكرات تحريرية تطالب الصحفيين بتجنب استخدام كلمة “فلسطين” ككيان، وتفضيل “الأراضي الفلسطينية”، وتقييد استخدام صور الدمار في غزة في الصفحات الأولى
.وكالات الأنباء الكبرى: رويترز وأسوشيتد برس كثيراً ما تعتمد على بيانات الجيش الإسرائيلي كمصدر وحيد في الساعات الأولى، وتضع نفي الجانب الفلسطيني في فقرة ثانوية تحت عنوان “قال مسؤول فلسطيني”، مما يضعف مصداقية الرواية.هذا لا يعني أن كل صحفي في هذه المؤسسات منحاز، بل إن الهيكل التحريري والضغط السياسي والاقتصادي يفرض سقفاً للسرد المسموح به.لماذا يحدث هذا؟
التبعية الاقتصادية: إعلانات، استثمارات، وقوانين تمويل في دول غربية تجعل المؤسسات حذرة من “إغضاب” اللوبيات المؤثرة.
الخوف من تهمة “معاداة السامية”: أي تغطية تنتقد إسرائيل تُساوى فوراً بمعاداة اليهود، فيُستخدم السلاح القانوني والأخلاقي لتكميم الصوت.
غياب التعددية في غرف التحرير: قلة المحرين والمراسلين من خلفية عربية أو فلسطينية يقلل من فرص كسر السرد الواحد.
أثر التوجيه على العمل الصحفي والمجتمع
فقدان الثقة: الجمهور العربي والغربي الشاب يبتعد عن هذه المؤسسات ويتجه لمنصات بديلة، لأن التناقض بين ما يرى على الأرض وما يُبث يصبح فاضحاً.تشويه الحقائق التاريخية: التكرار يصنع “الحقيقة الإعلامية”، حتى لو كانت ناقصة. أجيال كاملة نشأت على أن الصراع بدأ بـ7 أكتوبر 2023، لا بـ1948.إضعاف الصحافة نفسها: حين يصبح الخوف من السياسي أقوى من الالتزام بالمهني، تفقد الصحافة وظيفتها كسلطة رابعة وتتحول إلى ناطق بلسان السلطة.الخروج من دائرة التوجيه: هل هو ممكن؟
نعم، لكن بشرطين:استقلالية التمويل والتحرير: نماذج مثل +972 Magazine وMiddle East Eye نجحت لأنها غير مرتبطة بإعلانات حكومية كبرى، ولأنها تمنح المحرين حرية مهنية.
الجمهور كشريك: الضغط الجماهيري والمقاطعة الذكية أجبرت BBC على التحقيق الداخلي في واقعة فيلم غزة، وأجبرت نيويورك تايمز على نشر اعتذارات. الجمهور لم يعد متلقياً سلبياً.
فوز غزة: أطباء تحت النار بجائزة بافتا بعد رفض BBC عرضه ليس انتصاراً فنياً فقط، بل تذكير بأن الحقيقة أقوى من الحجب. وان الإعلام الموجّه قد يؤخر وصول الصوت، لكنه لا يستطيع إسكاته إلى الأبد. التحدي اليوم ليس في إيجاد المعلومة، بل في حماية المؤسسات الإعلامية من أن تتحول إلى أدوات سياسية تُقرر نيابة عن الجمهور ما يستحق أن يعرفه وما لا يستحق.السؤال المتبقي: هل ستتعلم المؤسسات الكبرى الدرس، أم ستبقى رهينة لحسابات سياسية تجعل من “الحيادية” مرادفاً للصمت؟.
