الجمعة, مايو 15, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيعدسات فريق التضامن الإعلامي ترصد المدن الإيرانية وتُسقط رواية الإخضاع .. محمد...

عدسات فريق التضامن الإعلامي ترصد المدن الإيرانية وتُسقط رواية الإخضاع .. محمد الخزاعي

سودان تمورو
ماذا لو أنّ الصورة التي يرسمها الإعلام عن إيران في زمن الحرب لا تعكس سوى ما يريد الخصم أن تراه العيون؟ هذا السؤال لم يُطرح في غرفة التحرير ولا في ندوة نقاشية، بل فرض نفسه بين 29 صحافياً وإعلامياً وصانع محتوى رقمي ممثلين عن ثلاث عشرة مؤسسة ومنصة إعلامية عراقية، عربية، إقليمية، حينما وجدوا أنفسهم أثناء حربَي الـ12 يوماً و شهر رمضان في شوارع طهران ومشهد وقم المقدستين ومدن أخرى، يرون ما لا يُشبه البتّة ما كانوا يتوقعون رؤيته، فغيروا السؤال الذي انطلقوا من أجل البحث عن إجابات له وأصبح متشعباً: هل الحرب في بلداننا أم في إيران الإسلامية؟ هل ثمة حرب نعرفها ولا يعرفها هؤلاء؟ أم أنهم يعرفونها أعمق منا ويختارون على الرغم منها أن يظلوا أحياءً بكامل معنى الحياة؟.

فريق التضامن الإعلامي ذهب إلى إيران حاملاً كاميراته وأسئلته، عاد بشهادة تستحق أن تُقرأ ببطء، يرويها في حضرة القارئ كاتب المقالة الذي تشرف بأن يكون رئيساً لهذا الفريق المجاهد، الذي لم يكن يبحث عن حرب يُغطيها، بل عن حقيقة يُوثّقها، عن حقيقة شعب يُروى عنه في غرف الإعلام مشهد مغاير تماماً عمّا تشهده الأسواق والشوارع والوجوه وضوضاء الحياة اليومية التي تُغطّي بثقلها على أي صوت آخر، وهذا يعني أنّ من يملك الرواية، يملك مفاتيح الحرب.

الإجابات باتت تتشكّل تدريجياً مع مرور أيام العمل وتراكم المشاهدات في ذاكرة الكاميرات، وعدسة الواقع تفرض نفسها على ذهول الفريق. ففي إحدى حدائق طهران، توقف شباب وبنات يلعبون الكرة الطائرة وآخرين المنضدة وغيرهم كرة القدم لدقائق حين تم تفعيل الدفاعات الجوية لاعتراض طائرات مُسيرة، ثم عادوا كما كانوا ولمّا ينتهي الاعتراض بعد!

وحين سُئل جمع منهم عن هذا التصرف العجيب، أجاب بما يشبه الحكمة المضغوطة في جملة واحدة: “لو جعلنا الخوف يُوقف حياتنا، فقد انتصروا علينا قبل أن تصلهم صواريخنا”. هذه الجملة ليست دعاية ولا خطاباً مُدرَّباً؛ هي تعبير عفوي عن فلسفة اجتماعية في مواجهة الحرب النفسية، تقوم على اعتبار الحياة المستمرة ليست حقاً شخصياً فحسب، بل هي فعل سياسي واعٍ ومحسوب.

وفي سوق تجريش شمالي طهران، تلك السوق التاريخية التي تمتاز بسقوفها المبنية من الطوب المزخرف بالبلاط الفيروزي، بخضرواتها الزاهية، بروائح التوابل والزعفران، المكسرات، والأصوات المتشابكة، وقف الفريق مذهولاً وهو يرقب ويصور مشهداً بلغ فيه هذا المعنى ذروته: باعة يُعلّقون زينة النوروز ويُرتّبون بهجته لبيع الزينات السبع -وهي سبعة أشياء تبدأ بحرف السين يبتاعها الناس- فضلاً عن السمكة الذهبية وحوائج مرفقة، ترمز مجتمعةً إلى الحياة والجانب الروحي وخصوبة الأرض والرزق، كل ذلك يحصل وسط أجواء الحرب!

حين سُئلت مشترية من مراسل إحدى المؤسسات، إنْ كانت تُرجئ هذا إلى ما بعد انتهاء الحرب أو على الأقل هدوء القصف، نظرت إليه نظرة من يتعجب من السؤال نفسه وقالت: “هذه أعيادنا وهذه هويتنا إذا أرجأناها فقد أرجأنا أنفسنا”. في هذه الجملة القصيرة؛ خلاصة ما سعى المجرمون في تل أبيب وواشنطن إلى إخضاعه وتكسيره، وهو ما أثبت العكس بأنه أصلب مما حسبوا.

فالهوية الثقافية حين تتحوّل إلى درع نفسية في زمن الحرب، تصبح خطاً دفاعيا لا يُخترق بصاروخ ولا يُحتل بمنظومة حرب إلكترونية ولا بتحريك الشارع ليُسقط حكومته، ولعل الدليل الأبلغ على ذلك؛ أن الدراما الإيرانية لم تتوقف -إذ صوّر القطاع الفنّي ثلاث عشرة حلقة من مسلسل “أخضر أبيض أحمر”- وإذا تفضلت عزيزي القارئ بالبحث في موقع (الميادين نت) ستجد تفصيلات مهمّة عن قصة المسلسل في مقالة منفصلة- أثناء الحرب، وبات يُعرض اليوم على الشاشات كما لو كانت الحياة تؤكد لنفسها أنّها لم تنكسر.

بيد أنّ الحياة المستمرة وحدها لا تكفي تفسيراً لما رآه الفريق الإعلامي، فثمة بنية صُلبة تحت السطح، تجعل تلك الاستمرارية ممكنة وليست مجرد وهم جميل، إذ لم تشهد المدن التي زارها الفريق طوابير أمام المخابز أو محطات الوقود أو في محال التبضع، ولم يُسجَّل انقطاع مستمر في الكهرباء طوال مدة الإقامة، وهذا ليس حظاً حسناً ولا مشهداً مُرتَّباً من السلطات للكاميرات؛ هو ثمرة سياسة ممنهجة بُنيت على مدى عقود، تقوم على مبدأ الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة والسلع الأساسية كخيار استراتيجي لا ترفاً سياسياً، فالفلاح الإيراني لم يتوقف يوماً واحداً، المصانع تدور، الإنتاج مستمر على مختلف الصعد، وإيران المُحاصرة بالعقوبات تُصدّر النفط والطاقة في وقت كانت فيه أوروبا -التي ترسم خريطة تلك العقوبات- تتخبط في أزمة طاقة حادة إثر هذه الحرب وتبحث عن بدائل بأسعار خيالية.

هذه مفارقة تحمل في طياتها درساً قاسياً في الجغرافيا السياسية للاقتصاد: الدولة التي لا تملك قرارها الاقتصادي لا تملك سيادتها الحقيقية مهما رفعت من أعلام، والحصار لا يُكسر بالمواجهة الإعلامية بل بالإنتاج الفعلي الذي يجعل الحصار أداةً عاجزة.

ولم تكن البنية التحتية أقل رسوخاً من البنية الاقتصادية؛ فخط السكك الحديد لمدينة قم أُعيد تشغيله في غضون أربعين ساعة من ضربه! والجسور التي طالها القصف عادت إلى الخدمة جزئياً خلال أسبوع، وفرق البلدية ترفع الأنقاض لتهيئة الأرضية المناسبة لإعادة البناء، وهذا ليس نقلاً عن مصادر ولا تصريحات مسؤولين إنما شهادات ومشاهدات الفريق وعدساته.

إذ إنّ إيران وعلى ما يبدو تمتلك خططاً جاهزة ومعدّة مسبقاً لإعادة كل بنية تحتية حساسة إلى الخدمة، وجهزت فرقاً متخصصة موزّعة على أرجاء البلاد، وهو ما يكشف أن بنك الأهداف الذي تستهدفه الضربات المدروسة؛ في قبالته خطط استعادة مدروسة بالقدر نفسه أو أكثر.

ففي طهران العاصمة وبعد إحدى غارات القصف، وصلت فرق الإنقاذ في دقائق معدودة ومعها كلاب بوليسية مدرّبة على الكشف عن ناجين تحت الأنقاض، وأعادت فرق الكهرباء والبلدية الخدمات في غضون ساعات، فيما أُحلّ المتضررون في فنادق ومُنحوا رعاية خاصة ووفروا لهم احتياجاتهم الأساسية، ريثما تنتهي الحرب ويُعاد بناء مساكنهم! هذا لا يحدث بالارتجال؛ إنما هو نتيجة تدريب ممنهج وخطط طوارئ جاهزة لكل سيناريو ومؤسسات رصينة.

والأعمق في المشهد الإيراني فهو ما لا تلتقطه الكاميرات ولا يُقاس بالأرقام؛ الثقافة الأمنية الشعبية التي تحوّل فيها المواطن العادي إلى طرف فاعل في منظومة الدفاع الوطني. ففي طهران ينقل لنا صاحب محل نزلنا عنده لنبتاع منه بعضاً مما يُعين على استمرارية الطاقة للعمل؛ أنّ رجلاً في السبعينيات من عمره يجلس منذ الفجر في شرفة بيته المقابل يراقب الشارع بعينين يقظتين، مُبلِّغاً الشرطة فور رؤية ما يثير الريبة، لا لأنه مُكلَّف بذلك بل لأنه يعدّ ذلك التصرف واجبه الطبيعي!

وفي أكثر من حادثة خلال الحرب كُشف عن عملاء بتبليغات من مواطنين عاديين لا بعمليات استخبارية معقدة، وهذه ثقافة لا تُزرع بمرسوم ولا تُصنع بحملة إعلامية؛ إنما هي نتاج عقود من التربية والتغذية الناعمة على معنى الانتماء، ومن بناء علاقة بين المواطن والدولة تقوم على الثقة المتبادلة لا على الرهبة الأحادية حتى لو كان ناقماً على الحكومة ومختلفاً مع النظام.

وفي الميادين الكبرى ومنذ اليوم الأول للحرب، لم تنقطع تجمعات الليل التي لا تأتي بحشد مُنظَّم وحسب؛ بل بأسر كاملة تختار الحضور -الجد والجدة والأبناء والأحفاد- وكل منهم يجيء لأنه يعدّ الحضور فريضة فرضها على نفسه في مقابل حرب فُرضت عليه.

وثمة جانب آخر يكشف عمق هذه الشراكة الشعبية والتشاركية الوطنية حينما ترى جنوداً يجوبون ساحات التظاهر حاملين أوراقاً وأقلاماً، والمواطنون يكتبون لهم عبارات الحماسة والدعاء لتُنقش على الصواريخ قبل إطلاقها، بل وتجد البلدية تُثبت صوراً في الشوارع للحشود ولشهداء مدرسة شجرة طيبة في ميناب وهم يُشاركون في وفود التفاوض الرسمية مكتوب عليها “الشعب حاضر في الميدان وعلى الطاولة في آنٍ واحد”.

كل هذا يكشف لماذا فشلت الاستراتيجية الأميركية-الإسرائيلية التي تقوم على مبدأ قديم مجرَّب في دول أخرى يقوم على معادلة: (اضرب المدن، أوجع المواطنين، فيدفعون حكومتهم إلى الاستسلام من خلال ضغط التظاهر أو الاستسلام). هذه النظرية اصطدمت في إيران بعقبة لم يحسبها المخططون جيداً، إذ إن الشخصية التاريخية العميقة لشعب بنى حضارة قبل أن تقوم روما، وشعب على تعدد قومياته وأعراقه يمتلك خاصية ثابتة؛ يجعل خلافاته الداخلية تتجمّد فور قدوم الخطر من الخارج، ويُعيد إنتاج وحدة لا تصنعها الحكومة بل يصنعها هو بنفسه حين يشعر أنّ الأرض مهددة.

نسي المخططون أنهم يلعبون في ملعب تحكمه قواعد لم يقرأوها بعمق كافٍ، وأنّ الحرب النفسية تؤثر في شعوب تفتقر إلى مرجعية هوياتيّة راسخة، لا على شعب يحمل في ذاكرته الجماعية حضارة لآلاف السنين، أثبتت أن البقاء ليس صدفة بل هو مهارة توارثتها الأجيال في جينات عقدية.

وهنا يجد الصحافي العراقي نفسه أمام مرآة قاسية لا يستطيع أن ينظر في عكسها؛ فالعراق الذي يمتلك ثروة نفطية لا يملك ناقلة نفط واحدة تحمل نفطه باسمه، وأنابيبه تحت رحمة السرقة والتهالك والابتزاز، وعوائده المالية تمر من خلال الفيدرالي الأميركي، ما يعني أن واشنطن تستطيع أن تُعطّل اقتصاده بجرة قلم.

فالمواطن العراقي لا يشعر بعمق انتمائه لدولة تخذله مراراً، فلا تنشأ ثقافة الحارس الطوعي ولا الفريضة الشعبية الطوعية التي رآها الفريق في الميادين الإيرانية، إلا حين تقدم له الخدمة التي تليق به وتوفر له مستلزمات الحياة المستقرة والعيش الكريم، وحين يطرح المواطن العراقي والفريق على حدّ سواء استفهاماً إنكارياً: لو تعرّض العراق لما تعرّضت له إيران؟- كم ساعة ستصمد الكهرباء، كم يوماً يكفي مخزون الغذاء، ومن أي خزينة ستُدفع الرواتب،- تصبح الإجابة تشخيصاً لا يحتمل التأجيل في البحث عن إعادة ترتيب لأوراقنا الداخلية.

ما رآه الفريق الإعلامي في إيران إبان أيام الجمر ليس دفاعاً عن نظام ولا هجوماً على آخر، بل شهادة ميدانية حرة على أنّ أعتى أسلحة الحرب الحديثة -وهي أسلحة الرواية وكسر الإرادة- لا تشتغل في مواجهة مجتمع أدرك أنّ الحياة المستمرة هي خط الدفاع الأول، وأن الهوية المحمية مجتمعياً هي الجبهة التي لا تسقط.

وفي هذا دروس ليست للاستنساخ الأعمى، لكنها دروس تعلموها والثمن كان دماً، في بناء الدولة وتلاحم المجتمع، فأصبح المجتمع يحمل دولته والدولة تحمل مجتمعها، حتى تصبح الحياة نفسها -في المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والأسواق والحدائق وتزيين النوروز والفنون- أشدّ فتكاً بمنطق الإيراني من أي ردٍّ عسكري على محور الشرّ.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد الخزاعي
محمد الخزاعي
كاتب ومحلل سياسي عراقي

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات