سودان تمورو
منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة انسحبت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى ما بات يعرف بـ “الخط الأصفر” ، الذي قسم قطاع غزة إلى منطقتين، شرقية يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي، وغربية يسكنها نحو 2 مليون فلسطيني، في إطار المرحلة الأولى من الاتفاق، على أن تشمل المراحل التالية، في حال نفّذت، انسحاباً تدريجياً ينتهي بالانسحاب العسكري الكامل من القطاع.
عند بدء الاتفاق كان الاحتلال يسيطر على نحو نصف مساحة القطاع التي تبلغ 365 كلم٢، بيد أنه مع الإزاحة المستمرة للخط الأصفر، أصبح الاحتلال يسيطر على نحو 60% من مساحة قطاع غزة، وتحوّل مجرّد اقتراب الغزيين من الخط حكماً بالقتل من القوات الإسرائيلية.
تنصّ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن يتمّ الانسحاب الإسرائيلي على ثلاث مراحل:
الأولى ينسحب إلى (الخط الأصفر) فور وقف إطلاق النار، مقابل إفراج المقاومة عن جميع الأسرى الأحياء والأموات.
المرحلة الثانية ينسحب الاحتلال إلى “الخط الأحمر” و تبدأ مع نشر “القوة الدولية لتحقيق الاستقرار”،
وفي المرحلة الثالثة يتمّ الانسحاب الكامل من قطاع غزة إلى منطقة حدودية محدّدة “منطقة أمنية عازلة”،
ومع دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، انسحب الاحتلال إلى “الخط الأصفر”.
الانتشار الديموغرافي للمواطنين في قطاع غزة اختلف جذرياً بعد ترسيم “الخط الأصفر “، وتحوّلت مناطق كانت تعجّ بالحركة إلى مدن أشباح، خالية من السكان، والعمران، وكلّ مظاهر الحياة، مثل رفح وبيت لاهيا وبيت حانون، والمناطق الشرقية لمحافظتي خان يونس، وغزة.
إنّ سلوك الاحتلال يشير إلى أنّ خططه تهدف لتحويل المنطقة التي يسيطر عليها “الجيش” الإسرائيلي شرق “الخط الأصفر” لتصبح أداة لعزل المقاومة وإعادة تشكيل مستقبل القطاع، بما يعكس السلوك التاريخي للاحتلال بتحويل الخطوط المؤقتة لحدود دائمة.
ترسّخ “الخط الأصفر”، كخط عسكري من خلال إنشاء بنية عسكرية على طول الخط بعضها ثابت وآخر متحرّك.
وأفادت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية بأنّ “الجيش” الإسرائيلي أقام خلال الأشهر الأخيرة مواقع عسكرية جديدة على طول الخط ونفّذ أعمال بنية تحتية، وذكرت أنّ تحليل صور الأقمار الاصطناعية يُظهر وجود ما لا يقلّ عن 32 موقعاً عسكرياً إسرائيلياً في محيط “الخط الأصفر” ومناطق قريبة منه، وقد أُقيم معظمها قبل وقف إطلاق النار بينما أضاف “الجيش” الإسرائيلي بعد ذلك سبعة مواقع جديدة على طول الخط، وأنه أنشأ في خمسة مواقع على الأقل طرقاً بالإسفلت بما يجعلها صالحة لنشاط عسكري طويل الأمد، وهو ما يعزّز تقديرها بأنّ “إسرائيل” لا تدير انتشاراً مؤقتاً وإنما تبني بنية تموضع قابلة للاستمرار.
ويلفت تحقيق الصحيفة إلى البدء بإنشاء حواجز وعوائق أرضيّة على امتداد “الخط الأصفر” يتجاوز طولها 17 كلم أي نحو 40% من طول الخط الكامل البالغ 45 كلم.
إنّ الواقع الذي تفرضه “إسرائيل” على غزة ما بعد إنشاء “الخط الأصفر” يعني تكريس السيطرة الإسرائيلية على المدى الطويل، ليس في البعد الأمني وحسب بل، يتعدّاه ليشمل السيطرة على الموارد الزراعية والصناعية، بما يؤدّي إلى إضعاف القدرة الاقتصادية للقطاع والاعتماد على المساعدات الخارجية، ومنع إعادة بناء مقوّمات الحياة والإنتاج، وخنق غزة اقتصادياً ودفع سكانها نحو الهجرة القسرية، عبر خلق واقع اقتصادي واجتماعي لا يمكن احتماله؛ فالمساحات داخل “الخط الأصفر” لقطاع غزة التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي تشكّل ما نسبته 60% من الأراضي الصالحة للزراعة والتي تمّ تدميرها كلياً.
تعتقد “إسرائيل” أنّ فرض “الخط الأصفر ” كأمر واقع ليس خياراً، بل ضرورة أمنية فرضه فشلها الاستراتيجي في السابع من أكتوبر 2023 ، وتظن أنّ سيطرتها العسكرية الدائمة على نحو 60% من قطاع غزة، يوفّر لها هامشاً جغرافياً وزمنياً لمواجهة التهديدات الأمنية المستقبلية في قطاع غزة.
إنّ “الخط الأصفر” أصبح بنية حدودية جديدة تسعى الحكومة الإسرائيلية لتثبيتها داخل قطاع غزة، وفي حال استمرار المراوحة الحالية التي يشهدها اتفاق وقف إطلاق النار، وعدم استكمال المرحلة الأولى تمهيداً للانتقال إلى المراحل التالية، فإنّ استمرار بقاء “الخط الأصفر” يتكرّس كواقع سياسي وعسكري جديد، لن يقبله الفلسطينيون، ولا أحد يعلم كيف سيطوّرون أدوات ووسائل لمواجهته، من دون إعطاء الاحتلال المبرّرات للعودة إلى حرب الابادة الجماعية على غزة.
كاتب ومحلل سياسي فلسطيني
