الأحد, مايو 17, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيملاحقة بريطانيا قانونياً عن جرائم الانتداب: ما الذي يقوله القانون الدولي وما...

ملاحقة بريطانيا قانونياً عن جرائم الانتداب: ما الذي يقوله القانون الدولي وما هي السوابق الممكنة؟ جعفر بدوى

 سودان تمورو

الفكرة قوية لأنها تنقل المعركة من ساحة الشعارات إلى ساحة القانون، حيث يمكن تجريد الاحتلال من شرعيته وتحميل المسؤول الأول تبعات ما فعله.

 الأساس القانوني: ما الذي انتهكته بريطانيا؟

بريطانيا لم تكن محتلة عادية في فلسطين. كانت “دولة منتدبة” بموجب المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم. هذا الوضع يرتب عليها التزامات محددة:

أ. مبدأ الوصاية المقدسة 

المادة 22 نصت أن المستعمرات “أودعت لدى الدول المتقدمة كأمانة مقدسة لصالح سكانها”. مهمة بريطانيا كانت إعداد الفلسطينيين للاستقلال، وليس تسليم الأرض لطرف ثالث.

ب. التزامات اتفاقية جنيف الرابعة 1949

رغم أنها صدرت بعد النكبة، إلا أن المبادئ التي تضمنتها كانت عرفاً دولياً قبلها. المادة 49 تحظر النقل القسري للسكان، والمادة 147 تعتبر الترحيل والتدمير الواسع للممتلكات “جرائم حرب”.

ج. اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية 1948

المادة 2 تعرّف الإبادة الجماعية بأنها “إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً”. تهجير 750 ألف فلسطيني وتدمير القرى يدخل ضمن هذا التعريف.

د. المسؤولية الدولية عن الأفعال غير المشروعة

مشروع مواد لجنة القانون الدولي 2001 ينص أن الدولة مسؤولة عن أي فعل منسوب إليها يشكل خرقاً لالتزام دولي، وملزمة بالكف عن الفعل وجبر الضرر.

باختصار: بريطانيا خرقت عقد الانتداب، ومارست تمييزاً ممنهجاً، وسهلت تطهيراً عرقياً، وتخلت عن مسؤوليتها عند أول اختبار.

  1. أين يمكن رفع الدعوى؟ وما هي العوائق؟

أ. محكمة العدل الدولية ICJ 

يمكن للدول رفع دعوى ضد بريطانيا بخرق التزاماتها الدولية. ومع ان بريطانيا لم تقبل الولاية الإلزامية للمحكمة في القضايا التاريخية. لكن الجمعية العامة للأمم المتحدة تستطيع طلب رأي استشاري من المحكمة حول “الآثار القانونية لاحتلال بريطانيا لفلسطين”، كما فعلت مع جدار الفصل 2004.

ب. المحكمة الجنائية الدولية ICC

لها ولاية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة بعد 2002. لا تستطيع محاكمة أحداث 1948 مباشرة، لكنها تستطيع استخدامها كخلفية لإثبات النية الإجرامية المستمرة، خصوصاً أن ملف “وضع دولة فلسطين” مفتوح منذ 2015.

ج. المحاكم الوطنية بمبدأ الولاية العالمية

دول مثل بريطانيا نفسها، بلجيكا، إسبانيا، تسمح بمحاكمة جرائم الحرب بغض النظر عن مكان وقوعها. ويمكن لضحايا الانتداب أو ورثتهم رفع دعاوى مدنية للمطالبة بالتعويض وجبر الضرر.

د. لجان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان

لجنة مناهضة التمييز العنصري CERD ولجنة حقوق الإنسان يمكن تقديم شكاوى فردية أو جماعية لها وهى لا تصدر أحكاماً ملزمة لكنها تصدر تقارير تدين الدولة وتشكل ضغطاً سياسياً وقانونياً.

سوابق قانونية يمكن البناء عليها

  1. قضية ناميبيا 1971: طلبت الجمعية العامة رأياً استشارياً من محكمة العدل الدولية حول وجود جنوب أفريقيا غير القانوني في ناميبيا. المحكمة حكمت أن الاحتلال غير شرعي وأن على الدول عدم الاعتراف به. نفس المنطق ينطبق على الانتداب البريطاني.
  2. قضية تشاغوس ضد بريطانيا 2019: محكمة العدل الدولية أصدرت رأياً استشارياً أن فصل أرخبيل تشاغوس عن موريشيوس 1965 كان غير قانوني، وألزمت بريطانيا بإنهاء إدارتها. هذه سابقة مباشرة ضد بريطانيا في ملف تصفية استعمار.
  3. قضايا تعويضات العبودية والاستعمار: كاريكوم تتفاوض مع بريطانيا ودول أوروبية على تعويضات عن تجارة الرقيق. في 2023 ألمانيا اعترفت بمسؤوليتها عن إبادة الهيريرو والناما ودفعت تعويضات. الفكرة أن الجرائم الاستعمارية لا تسقط بالتقادم في الوعي القانوني الحديث.
  1. دعاوى ضد بريطانيا في كينيا وقبرص: في 2013 دفعت بريطانيا 20 مليون جنيه إسترليني تعويضاً لضحايا التعذيب في انتفاضة الماو ماو الكينية. هذا يثبت أن القضاء البريطاني نفسه يقبل المسؤولية عن جرائم الانتداب عندما يرتفع سقف الضغط.

 ما الذي يمكن أن تحققه الملاحقة القانونية؟

– كسر الحصانة التاريخية: لا يعود وعد بلفور “عملاً سياسياً” منتهياً، بل يصبح محل مساءلة قانونية.

– فتح باب التعويضات: جبر الضرر المادي والمعنوي للاجئين وأصحاب الأرض المسلوبة.

– سحب الشرعية: أي حكم أو رأي استشاري يدين بريطانيا يضعف الأساس القانوني الذي يستند إليه الكيان الصهيوني.

– إلزام دولي: يلزم الدول بعدم تقديم دعم يساعد في استمرار الوضع غير القانوني.

أين المشكلة وأين المخرج؟

المشكلة الأساسية سياسية، ليست قانونية. فالقوى الكبرى لا تريد فتح ملف المسؤولية البريطانية لأنه سيفتح الباب لمسؤولية الغرب كله.

والمخرج هو بناء ملف قانوني متماسك يعتمد على:

  1. أرشيف الانتداب البريطاني نفسه، وهو موثق في الأرشيف الوطني البريطاني.
  2. شهادات الضحايا ووثائق الأمم المتحدة من 1947-1948.
  3. تقارير لجنة بيل 1937، لجنة أنغلو-أمريكية 1946، التي تثبت علم بريطانيا بنتائج سياستها.

هذا الملف يمكن تقديمه لمحكمة العدل الدولية عبر طلب رأي استشاري، أو استخدامه في دعاوى مدنية في بريطانيا نفسها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات