الإثنين, مايو 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيفخ الاستبدال!.. بقلم سعد الدين عطية الله

فخ الاستبدال!.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

في خضم المشهد الإقليمي المحتقن، تبرز في الأوساط التحليلية قراءة تفترض أن الولايات المتحدة، رغم رغبتها في اندلاع مواجهة شاملة مع طهران، قد تميل في هذه المرحلة الدقيقة إلى تجنب الانزلاق نحو حرب عسكرية تقليدية. ويستند أصحاب هذا الطرح إلى فكرة مفادها أن صانع القرار الأميركي قد يكتفي بالاعتماد على أدوات “الحرب الهجينة”، مكتفياً بتوظيف الضغوط الاقتصادية، والمناورات السياسية، والاختراقات الأمنية، وحملات كي الوعي والإدراك، كبديل عملي عن دوي المدافع. لكن هذه القراءة، في تقديري، تفتقر إلى النظرة العميقة لتطورات الصراع، وتسقط في فخ الخلط بين التكتيك المرحلي والاستراتيجية الشاملة.

لو أعدنا قراءة المشهد بتجرد، سنجد أن الحرب الهجينة ليست تكتيكاً وليد اللحظة، بل هي مسار استُنزفت فيه كافة الجهود على مدار العقدين الماضيين على الأقل. لقد مارست واشنطن وحلفاؤها أعتى أشكال الحروب الاقتصادية والثقافية والإدراكية والأمنية ضد طهران، ومضت في هذه الدروب حتى نهاياتها. ولأن أياً من هذه المسارات لم يفضِ إلى التركيع المطلوب أو تحقيق النتائج الاستراتيجية المرجوة، وجدت الإدارة الأميركية نفسها مدفوعة نحو خيارات أكثر خشونة. إن المشاريع الدولية الكبرى، وتفاقم أزمة الوجود التي تعصف بإسرائيل، والهاجس الملحّ لإعادة هندسة “نظام جديد” في المنطقة، كلها عوامل حاصرت المحور الأميركي-الإسرائيلي ولم تترك له سوى التلويح بالخيار العسكري، والاقتراب من حافته.

ومن هنا، يجب أن ندرك أن الانتقال إلى المربع العسكري ليس نزهة يمكن التراجع عنها ببساطة. لقد أدرك الأميركيون أن الآلة العسكرية وحدها، مهما بلغت سطوتها، قد تعجز عن إسقاط دولة بحجم إيران وتركيبتها المعقدة. بناءً على ذلك، لم تعد أدوات الحرب الهجينة تُطرح اليوم على طاولة البنتاغون والبيت الأبيض بوصفها “بديلاً” عن الحرب العسكرية للهروب من كلفتها، بل باتت تُستخدم بوصفها “مكملاً” استراتيجياً، وتمهيداً عملياتياً لضمان نجاح أي ضربة عسكرية مرتقبة.

بناءً على هذا الفهم، فإن ما نشهده اليوم في فترات “الهدنة” المتقطعة، أو استراحات المحارب، من تصعيد موازٍ في الساحات الاقتصادية والإدراكية والأمنية، ليس سوى عملية “حرث للأرض” وتجهيز للميدان استعداداً للفصل التالي من المواجهة العسكرية. الفارق الجوهري بين النظرتين يكمن هنا: هناك من يتوهم أن الخصم قد طوى صفحة الحرب العسكرية وقنع باللعب في المساحات الرمادية، بينما الحقيقة الصارخة هي أن هذا الخصم لم ييأس بعد من جدوى الخيار العسكري. فلو كان ينوي البقاء في مربعات الضغط الناعم والخشن السابقة، لما اقترب أساساً من فوهة البركان العسكري. الخيارات البديلة تلعب اليوم دور الإسناد النيراني، لا دور البطولة المطلقة.

لذا، فإن السؤال المحوري الذي يجب أن تتصدى له العقول الاستراتيجية ليس: “هل سيتخلى الأميركيون والإسرائيليون عن خيار الحرب؟”، بل السؤال الأهم والأخطر هو: “هل يمكن إيصالهم إلى مرحلة اليأس التام من نجاح أي خيار عسكري؟”. في اعتقادي، الإجابة هي نعم. إن صياغة استراتيجية ردع متماسكة، تعتمد على تكتيكات ميدانية مرنة، وتوظيف ذكي للترسانة والقدرات التي تمت الإشارة إليها في محطات سابقة، قادرة بلا شك على إجبار هذا الخصم على شطب فكرة الحسم العسكري من حساباته، لسنوات طويلة قادمة على أقل تقدير.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات