الإثنين, مايو 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهل أخطأت طهران قراءة حلفائها؟.. بقلم رعد الناصري

هل أخطأت طهران قراءة حلفائها؟.. بقلم رعد الناصري

سودان تمورو

في خضم التوترات العاصفة التي تضرب منطقتنا، وفي الوقت الذي تخوض فيه حركات المقاومة والشعوب المسلمة مواجهات مصيرية، تبرز تساؤلات ملحة حول المواقف “الرمادية” لبعض القوى الدولية الكبرى التي يُفترض أنها حليفة أو داعمة لمحور المقاومة وفي القلب منه إيران. ولعل التفكيك الدقيق لهذه الإشكالية يتطلب منا، نحن في العالم العربي، قراءة متأنية للفجوة العميقة بين العقلية السياسية الإيرانية والعربية وبين المنطق البراغماتي البارد الذي يحكم العلاقات الدولية، وتحديداً في حسابات موسكو وبكين.

تكمن جذور هذه المفارقة في اختلاف جوهري حول مفهوم “الصداقة”. في الثقافة الاستراتيجية الإيرانية والعربية، لا تُفهم الصداقة بوصفها مجرد علاقة تعاقدية مؤقتة تحكمها المصالح، بل هي امتداد لطبقات عميقة من الأخلاق السياسية والذاكرة التاريخية والأدب الملحمي. إنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم المروءة، والوفاء، وحفظ العهد، والعزة. في هذا القاموس، المستمد من روح الملاحم التاريخية، الصديق هو من يحفظ كرامة العلاقة في أحلك الأوقات، ولا يقايض العهد الطويل بمنفعة عابرة. فالبطل ليس فقط من ينتصر، بل من يدرك أن للانتصار والخزي حدوداً، وأن السياسة التي تجلب نفعاً تكتيكياً لكنها تتضمن خذلاناً أو نقضاً للعهد، هي سياسة منبوذة.

لكن الصدمة الاستراتيجية تحدث عندما تُسقط هذه النظرة الملحمية على قوى مثل الصين وروسيا. فهذه العواصم لا تفرد في قواميسها الدبلوماسية مساحة لـ “المروءة السياسية” أو “الوفاء العاطفي”. منطق التحالف لديها أداتي، محدود، ومُجزأ وفقاً لملفات تقنية ومصالح وطنية بحتة. قد تتفق بكين أو موسكو مع طهران في ملف، وتقف على الحياد في آخر، بل وقد تتقاطع مصالحها مع خصوم إيران في ملف ثالث. هذا السلوك، الذي قد يبدو من منظور شرق أوسطي خذلاناً أو موقفاً رمادياً مخيباً للآمال، هو في عرف تلك الدول مجرد إدارة اعتيادية للمصالح.

الصين، على سبيل المثال، ترى في التنسيق مع إيران ورقة مهمة لموازنة النفوذ الأميركي، وتحرص على إبقاء مسارات التنفس الاقتصادي مفتوحة لمنع انهيارها، لكن هذا لا يُترجم أبداً إلى التزام أخلاقي بالوقوف العلني معها في لحظات الخطر الوجودي. فبكين تدير شبكة معقدة من العلاقات تشمل دول الخليج العربية، وخطوط التجارة العالمية، ولا يمكنها التضحية بهذا التوازن رغم كونها هدف امريكا القادم. وبالمثل، تقارب روسيا علاقتها مع طهران بمنطق تكتيكي؛ فهي ورقة مساومة في الصراع مع الغرب ومسار للالتفاف على العقوبات، لكنها ليست أصلاً استراتيجياً مستعدة لدفع أثمان نهائية من أجله، خاصة في ظل استنزافها في أوكرانيا.

الخلاصة التي يجب أن تستوعبها الشعوب العربية المقاومة، تماماً كما يجب أن يدركها صانع القرار في طهران، هي أن التمسك بـ “العزة” الوطنية لا يعني الانفصال عن واقعية النظام الدولي. العزة الحقيقية تتجلى في إدراك أن هؤلاء الحلفاء الدوليين هم مجرد شركاء مشروطين، وأن تقاطع المصالح معهم هو حالة مرحلية. لا توجد قوة شرقية، مهما بلغت نديتها لواشنطن، يمكن أن تشكل بديلاً عن بناء “الردع الوطني” والاعتماد على الذات. يمكن الاستفادة من الشقوق في النظام العالمي والعمل مع القوى الكبرى، ولكن من الخطأ القاتل بناء الأمن القومي أو الرهان في المعارك الفاصلة على توقعات تنبع من ثقافة المروءة، في عالم لا يفهم سوى لغة المصالح الباردة. فالصداقة في ملاحم التاريخ لها معنى، والشراكة في النظام الدولي لها معنى آخر تماماً.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات