سودان تمورو
في عالم تتسارع فيه سباقات التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد المنافسة بين القوى الكبرى تدور فقط حول النفوذ العسكري أو التفوّق الاقتصادي، بل انتقلت إلى ميدان أكثر حساسية يتمثّل في السيطرة على المعرفة والذكاء الاصطناعي. فقد صرّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2017، قائلاً “الذكاء الاصطناعي هو المستقبل ليس فقط لروسيا، بل للبشرية جمعاء… من يصبح قائداً في هذا المجال سيصبح حاكماً للعالم”.
أما الرئيس الصيني شي جين بينغ، وإن اختلف خطابه الرسمي بشأن الذكاء الاصطناعي عن تصريحات بوتين ، فهو يربط الذكاء الاصطناعي بـ”قوى الإنتاج النوعية الجديدة”، وبضرورة الاكتفاء الذاتي لضمان الأمن القومي والاستمرارية الاقتصادية. ومع ذلك، يدرك شي، الذي يشجّع دائماً التركيز على التكنولوجيا المتقدّمة وتقديم الدعم للمجالات التي تعتمد على البحث العلمي والابتكار الفني، أنّ هذا القطاع هو القوة العظمى المقبلة، ومن يسيطر عليه يمتلك مفاتيح كفاءة الاقتصاد الحديث والقدرة على التأثير في صناعة المستقبل.
وبالنظر إلى أهمية دور التكنولوجيا المتقدّمة في تحديد موازين القوى الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية، نشهد منافسة محتدمة بين الصين والولايات المتحدة في هذا القطاع، أثّرت على العلاقات بين البلدين إذ وجدا نفسيهما في قلب صراع تقني وجيوسياسي غير مسبوق، سباق تسلّح رقمي لا يقتصر فيه الرهان على امتلاك خوارزميات أكثر ذكاء، أو قدرات حوسبة فائقة فحسب، بل يمتد أثره ليشمل صيانة المعايير التكنولوجية المستقبلية، والتحكّم في سلاسل التوريد الحيوية، وتحديد هوية القوى العظمى التي ستقود الحقبة المقبلة من الابتكار البشري.
تواصل واشنطن وبيجين فرض القيود المتبادلة؛ إذ فرضت الصين مؤخّراً قيوداً على سفر كبار المتخصصين في الذكاء الاصطناعي العاملين في الشركات خاصة مثل علي بابا وديب سيك، حيث سيحتاج هؤلاء للحصول على موافقة السلطات المختصة قبل السفر إلى الخارج في خطوة تعكس حجم القلق من تسرّب الكفاءات، لذلك ربما تسعى الصين إلى تعزيز حماية تقدّمها في مجال الذكاء الاصطناعي ولا سيما من الشركات الأميركية الرائدة في السوق.
لقد فرضت بيجين لسنوات قيوداً على سفر كبار الموظفين بدءاً من باحثي الجامعات البارزين وصولاً إلى علماء الذرة والمديرين التنفيذين في الشركات الحكومية، وها هي اليوم تستهدف الخبراء في الذكاء الاصطناعي. وإذا كانت الشركات المملوكة للدولة في الصين تحتفظ بجوازات سفر كبار مسؤوليها التنفيذيين، إلّا أنّ الحكومة وسّعت من نطاق القيود لتشمل الشركات الخاصة.
وقلق الصين من استقطاب خبرائها، دفعها العام الماضي إلى إصدار تعليمات لكبار روّاد الأعمال والباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي لتجنّب زيارة الولايات المتحدة الأميركية، إذ تخشى السلطات الصينية من أن يُفشي خبراء الذكاء الاصطناعي الصينيون المسافرون إلى الخارج معلومات سرية حول تقدّم البلاد في هذا المجال، ومن إمكانية احتجاز مسؤولين تنفيذيين واستخدامهم كورقة ضغط في المفاوضات الأميركية الصينية، في تكرار لما حدث في قضية احتجاز مسؤولة تنفيذية في شركة هواوي في كندا بناء على طلب واشنطن خلال إدارة ترامب الأولى.
تعتبر الصين الذكاء الاصطناعي جوهراً استراتيجياً يرتبط مباشرة بالأمن القومي، وتخشى أن تؤدّي مشاركة المعرفة التقنية مع المنافسين إلى تقليص الفجوة التكنولوجية لصالح واشنطن.
وفي المقابل، تعكس هذه الخطوة حجم التقدّم الذي أحرزته الصين في هذا القطاع، فلو لم تكن بيجين تشعر بأنها باتت تمتلك قاعدة علمية قادرة على منافسة الغرب لما لجأت إلى هذا المستوى من الحماية والتشدّد. وهذا يعني أنّ الولايات المتحدة الأميركية لم تعد تواجه مجرّد مصنع عالمي، بل منافساً تكنولوجياً حقيقياً قادراً على تهديد الهيمنة الأميركية في مجالات استراتيجية.
وإذا كانت واشنطن تعتبر بيجين تشكّل تهديداً لهيمنتها العالمية، ترى الصين أنّ تحقيق التنمية الاقتصادية هو حقّ طبيعي وسياديّ لها. ومحاولات الولايات المتحدة لتقييد وصولها إلى التكنولوجيا المتقدّمة هي احتواء استراتيجي يهدف إلى الحفاظ على الهيمنة الأميركية الأحادية وليس مجرّد أجراءات أمنية كما تدّعي واشنطن. وتؤكّد بيجين دائماً مفهوم الصعود السلمي، وتجادل بأنّ تطوّرها لا يعني بالضرورة تهديداً لوجود الولايات المتحدة حتى أنّ الرئيس شي دعا خلال القمة التي جمعته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخّراً إلى بناء علاقات استراتيجية ومستقرة بين بيجين وواشنطن وحذّره من “فخّ ثيوسيديدس”.
وفي إطار آخر، تحمل هذه القيود جانباً معقّداً بالنسبة للصين نفسها، فالابتكار التكنولوجي يقوم أساساً على الانفتاح والتبادل العلمي والتواصل مع المراكز البحثية العالمية، وأيّ تشدّد مفرط قد يؤدّي إلى عكس النتائج المرجوّة عبر خلق بيئة أقلّ جاذبية للمبدعين والباحثين، وبالتالي قد تؤدّي القيود المفروضة من الجانبين إلى تعميق الفجوة بينهما وازدياد التنافس الذي ربما يقود إلى توتر العلاقات، ومن شأن فرض قيود على سفر خبراء الذكاء الاصطناعي أيضاً زيادة العزلة بالنسبة للعلماء الصينيين.
يأتي قرار الصين بفرض قيود على سفر خبراء الذكاء الاصطناعي بعد زيارة ترامب إلى بيجين مصطحباً معه رؤساء ومسؤولين من أهمّ شركات عمالقة التكنولوجيا الأميركية، ومن بينهم المسؤول التنفيذي لشركة إنفيديا، جنسن هوانغ، الذي عانت شركته من الحرب التكنولوجية بين بيجين وواشنطن.
وإذا كانت الإدارة الأميركية قد سمحت لشركة إنفيديا بتصدير رقائق H200 المتطوّرة إلى الصين، إلّا أنّ الأخيرة لم تعطِ بعد الموافقة لشركاتها بشراء هذا النوع من الرقائق في وقت أفادت التقارير بأنّ تايوان أوقفت أشخاصاً تشتبه في قيامهم بتهريب رقائق متطوّرة من شركة إنفيديا من واشنطن إلى الصين، وكانت الولايات المتحدة قد حظرت بيعها للصين من دون ترخيص. كما تأتي القيود المفروضة على السفر وسط الجدل بين بيجين وشركة “ميتا” العملاقة للتكنولوجيا بشأن الاستحواذ على شركة “مانوس” المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.
تعمل الصين على استقطاب المواهب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وأشباه الموصلات. ففي العام الماضي أعلنت الصين عن إطلاق تأشيرة K لاستقطاب الكفاءات الأجنبية في مجال العلوم والتكنولوجيا في الوقت الذي اشترط فيه ترامب للحصول على تأشيرة H-1B، الذي تستخدمه شركات التكنولوجيا على نطاق واسع لتوظيف المواهب الأمنية، دفع مبلغ 100،000 دولار أميركي.
مع اشتداد المنافسة التكنولوجية بين الصين وأميركا، يتحوّل مهندس الذكاء الاصطناعي إلى أصل استراتيجي لا يقلّ أهمية عن النفط أو السلاح، لكن كلما ارتفعت الجدران حول التكنولوجيا تزايدت المخاوف من انقسام العالم إلى منظومات رقمية متنافسة قد تبطئ التعاون العلمي العالمي وتعيد رسم حدود الابتكار نفسه. وبين منطق الحماية ومنطق الانفتاح تتشكّل اليوم ملامح الحرب الباردة التكنولوجية الجديدة.
أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية وباحثة في الشؤون الصينية والآسيوية.
