خاص سودان تمورو
الحرب في السودان لم تقتل بالرصاص والقصف فقط، بل قتلت أيضاً بالبيروقراطية وبنصوص قانونية جامدة. فبينما يفرّ السودانيون من جحيم لا يطاق، تصطدم أقدامهم بقوانين هجرة في دول أفريقية وأوروبية تعاملهم كأرقام على ورق، لا كضحايا لكارثة إنسانية.
البعد اللاإنساني هنا ليس في الغرق أو الاعتقال وحده، بل في الطريقة التي تُدار بها القوانين بعيداً عن أي مراعاة للظرف الاستثنائي الذي تعيشه بلادهم.
أولاً: قسوة النص القانوني حين يغيب السياق مبدأ “الدخول غير الشرعي = جريمة”: معظم التشريعات في دول العبور واللجوء تعرّف من يعبر الحدود بلا تأشيرة بأنه “مهاجر غير شرعي”. النص يتجاهل أن السوداني الهارب من قصف الخرطوم أو مجاعة دارفور لا يملك سفارة تصدر له جوازاً، ولا وقتاً لانتظار موافقة قنصلية قد تستغرق شهوراً.
القانون يساوي بين من هرب من الموت ومن هاجر بحثاً عن عمل، وهذا أول انحراف أخلاقي.
الاحتجاز الإداري بلا سقف زمني: في دول أفريقية وأوروبية، يُحتجز السودانيون “إدارياً” بانتظار ترحيلهم أو تحديد هويتهم وكثير من القوانين لا تضع حداً أقصى واضحاً للاحتجاز.
النتيجة: شباب يمضون 6 أشهر وسنة في زنازين مكتظة، لم يُدانوا بجريمة، جريمتهم الوحيدة أن وطنهم انهار.
رفض طلب اللجوء بمعيار ضيق: بعض الدول الأوروبية تطلب “إثبات اضطهاد فردي” لتمنح اللجوء. لكن كيف يثبت شاب من الجنينة أن الميليشيا استهدفته شخصياً، بينما كل أهل المدينة نزحوا؟ القانون يطلب وثائق ودليلاً في بلد دُمرت فيه السجلات والمحاكم.
ثانياً: طريقة التعامل الميداني.. بين الأمن والإنسانية الدول الأفريقية: بين الاستضافة والطرد: دول الجوار مثل تشاد ومصر وإثيوبيا استقبلت ملايين السودانيين، وهذا موقف إنساني يُحسب لها. لكن في المقابل، هناك حالات ترحيل جماعي قسري، واحتجاز في معسكرات بلا خدمات، ومعاملة أمنية لا تراعي أن العابرين فارّون من حرب.
تشديد الحدود أحياناً يدفع المهاجرين لمسالك صحراوية أخطر، فتتحول سياسات “الردع” إلى حكم إعدام غير مباشر.
الدول الأوروبية: سياسة الردع فوق الحماية: مع تصاعد الخطاب المناهض للهجرة، اعتمدت دول أوروبية سياسة “منع الوصول”. تمويل خفر السواحل الليبي، اتفاقيات إعادة القادمين، وتشديد فحوص اللجوء.
النتيجة: قوارب تُعاد للبحر، وشباب يُعادون لمعتقلات ليبيا سيئة السمعة. القانون هنا يحمي الحدود، لكنه يترك الإنسان يغرق
.غياب التمييز الإيجابي: الحرب في السودان خلقت “حالة لجوء جماعي”. القانون الدولي يعرف مفهوم “الحماية المؤقتة” أو “وضع الحماية التكميلية” للحالات الاستثنائية كسوريا وأوكرانيا. لكن السودانيين كثيراً ما يُعاملون بمعايير اللجوء الفردي البطيئة، وكأن بلادهم لا تشهد كارثة إنسانية موثقة عالمياً.
ثالثاً: ما الذي يجعل القوانين “لاإنسانية”؟ تجاهل مبدأ عدم الإعادة القسرية: القانون الدولي يحظر إعادة أي شخص لبلد قد يتعرض فيه للتعذيب أو الموت.
إعادة سوداني إلى مناطق نزاع نشط دون ضمانات هو انتهاك صريح، لكنه يحدث تحت مسمى “اتفاقيات التعاون الأمني”.
تحويل الضحية إلى متهم: المهاجر السوداني يُعامل كمتهم حتى يثبت العكس. يُفتش، يُحقق معه، يُصور بصماته، ويُوضع في زنزانة. لا توجد قرينة “براءة” لمن فرّ من القصف.
البيروقراطية كسلاح: تأخير إصدار وثائق السفر، تعقيد إجراءات لمّ الشمل، رفض الاعتراف بالشهادات السودانية.. كلها حواجز قانونية تمنع اندماج الناجين وتطيل معاناتهم.
رابعاً: كيف يمكن إنسنة القوانين؟ مقترحات عملية تفعيل الحماية المؤقتة للسودانيين: على الاتحاد الأوروبي ودول أفريقيا تطبيق وضع حماية جماعي للسودانيين القادمين بعد أبريل 2023، كما حدث مع الأوكرانيين. هذا يمنحهم إقامة وعملاً دون انتظار سنوات في محاكم اللجوء. سقف زمني ملزم للاحتجاز: لا احتجاز إداري يتجاوز 3 أشهر إلا بأمر قضائي ومراجعة دورية.
البدائل موجودة: الإقامة الجبرية، الكفالات المجتمعية، الإبلاغ الدوري.
إجراءات مبسطة لإثبات الهوية: قبول شهادات من شيوخ العشائر، لجان المقاومة، المنظمات السودانية كدليل هوية مؤقت. فاقد الشيء لا يُعطيه.
وقف الترحيل لمناطق النزاع: الاعتراض على ترحيل أي سوداني إلى مناطق مصنفة كمناطق حرب وفق تقارير الأمم المتحدة.
مسار قانوني آمن: فتح ممرات إنسانية وتأشيرات إنسانية من السفارات، بدلاً من دفع الناس لعصابات التهريب. الأرخص للدولة والأكثر أمناً للإنسان.
خاتمة: القانون بلا رحمة.. نص بلا روح
القانون وُضع لخدمة الإنسان، لا لسحقه. عندما يصبح تطبيق النص حرفياً ذريعة لترك شاب سوداني يغرق أو يموت عطشاً أو يتعفن في زنزانة، فالقانون فقد شرعيته الأخلاقية. السودانيون لا يطلبون استثناءً من القانون، بل تطبيق روح القانون. ونقول ان من فرّ من الحرب ليس مجرماً، بل إنساناً يستحق فرصة حياة. الدول الأفريقية والأوروبية قادرة على حماية حدودها دون أن تدوس على كرامة إنسان. المسألة ليست عجزاً قانونياً، بل غياب إرادة سياسية تعترف بأن السودان اليوم حالة استثنائية تستحق معاملة استثنائية.
