سودان تمورو:
وقت تتزايد فيه أعداد المصابين وذوي الإعاقات الحركية نتيجة الحرب والحوادث المختلفة، تبرز مراكز الأطراف الصناعية كنافذة أمل تعيد للمصابين قدرتهم على الحركة والاستقلالية والانخراط مجدداً في المجتمع.
ويُعد مركز الأطراف الصناعية بالولاية الشمالية أحد أبرز المراكز المتخصصة في السودان، إذ واصل تقديم خدماته دون انقطاع طوال سنوات الحرب، مستقبلاً المرضى من مختلف الولايات، ومقدماً خدمات التأهيل والعلاج الطبيعي وتصنيع الأطراف والأجهزة التعويضية.
في هذا الحوار، يتحدث مدير المركز عثمان حسن عثمان عن واقع العمل، وأبرز الإنجازات، وحجم التحديات التي تواجه المركز، فضلاً عن رؤيته المستقبلية لتطوير خدمات الأطراف الصناعية والتأهيل الحركي في السودان.
*بدايةً.. حدثنا عن المركز وتاريخ تأسيسه؟*
يُعتبر مركز الأطراف الصناعية بالولاية الشمالية من المراكز النموذجية على مستوى السودان، وهو المركز الوحيد الذي واصل تقديم خدماته طوال فترة الحرب دون توقف، واستقبل المستفيدين من مختلف الولايات والفئات.
تأسس المركز عام 2003م في إطار شراكة بين وزارة الصناعة والهيئة العامة للأجهزة التعويضية واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ليكون جزءاً من منظومة التأهيل الحركي والبدني وخدمات الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية.
ويختص المركز بخدمة الأشخاص ذوي الإعاقات الحركية بمختلف أنواعها، سواء الناتجة عن حالات البتر أو الشلل أو الحاجة إلى الجبائر والأجهزة المساعدة على الحركة.
وخلال سنوات الحرب الأخيرة، لعب المركز دوراً محورياً في تقديم الخدمات الإنسانية للمصابين، محافظاً على استمرارية العمل رغم التحديات والظروف الاستثنائية.
*ما أبرز الأقسام والخدمات التي يقدمها المركز؟*
*يعتمد المركز على ثلاثة محاور رئيسية هي:*
_خدمات الأطراف الصناعية لحالات البتر.
_خدمات الأجهزة التعويضية والجبائر لحالات الشلل والإعاقات الحركية.
_العلاج الطبيعي والتأهيل البدني والحركي.
ولتحقيق خدمة متكاملة، يضم المركز عدداً من الأقسام المتخصصة، أبرزها:
_إدارة شؤون المرضى:
تتولى استقبال المرضى وتسجيل بياناتهم الطبية والاجتماعية وفتح الملفات الخاصة بكل حالة منذ لحظة وصولها إلى المركز.
_العيادة النفسية:
تقدم خدمات الدعم النفسي للمصابين، خاصة المتأثرين بإصابات الحرب، وتساعدهم على التكيف مع أوضاعهم الجديدة والاستعداد لمرحلة التأهيل.
_الخدمة الاجتماعية:
تعنى بدراسة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمستفيدين وتحديد احتياجاتهم، بما يسهم في توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجاً.
_قسم العلاج الطبيعي والتأهيل:
يعمل على إعداد المرضى بدنياً قبل تركيب الأطراف الصناعية، وتقوية العضلات وتحسين الحركة والتوازن، بالإضافة إلى تدريب المستفيدين على استخدام الأطراف والأجهزة التعويضية.
من قلب المعاناة إلى استعادة الحياة.. حكاية مركز صمد في وجه الحرب وأنقذ آلاف المصابين
_قسم تصنيع الأطراف الصناعية:
يضم ورشة متخصصة تُعد من أفضل الورش على مستوى السودان، وتعمل وفق معايير فنية حديثة بواسطة كوادر مدربة داخل السودان وخارجه، خاصة في الهند.
ويشمل العمل أخذ القياسات وتصميم وتصنيع الأطراف الصناعية وإجراء التعديلات الفنية اللازمة لضمان ملاءمتها للمستفيدين.
*كيف أثرت الحرب على حجم العمل بالمركز؟*
منذ اندلاع الحرب شهدت مراكز الأطراف الصناعية زيادة غير مسبوقة في أعداد المصابين. وتمكنت المراكز من استقبال وتركيب أطراف صناعية لأكثر من ألفي حالة، بخلاف الحالات المرضية الأخرى وقوائم الانتظار.
كما تم تركيب أكثر من 250 طرفاً صناعياً لمصابي القوات المسلحة، فيما تجاوز عدد المستفيدين من خدمات المراكز منذ تأسيسها ما بين 10 و12 ألف حالة شملت الأطراف الصناعية والجبائر والعلاج الطبيعي.
واستضاف المركز المخيم الهندي للأطراف الصناعية، وهو الأول من نوعه في السودان، حيث تم خلاله تركيب 650 طرفاً صناعياً لمصابين من مختلف الولايات.
وفي مطلع عام 2026م بلغ عدد المنتظرين للحصول على أطراف صناعية نحو 1200 شخص، وتم بالفعل تركيب أطراف لـ650 منهم، فيما تتواصل الجهود لخدمة بقية الحالات.
*هل يتم التصنيع محلياً أم تعتمدون على الاستيراد؟*
نعتمد على تصنيع الأطراف داخل المركز بواسطة كوادر متخصصة، بينما يتم استيراد المواد الخام والمكونات الأساسية من ألمانيا عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتنسيق مع الهيئة العامة للأجهزة التعويضية.
وتتميز هذه المواد بجودة عالية وعمر افتراضي طويل قد يتجاوز أربع سنوات عند الاستخدام السليم.
*ماذا عن تكلفة الخدمة؟*
التكلفة الحقيقية للطرف الصناعي قد تتراوح بين 2.5 و3 ملايين جنيه أو أكثر بحسب نوع الطرف ومكوناته، لكن المركز يقدم الخدمة وفق تكلفة تشغيلية مخفضة لتخفيف الأعباء عن المستفيدين.
كما يتحمل المركز جزءاً كبيراً من تكاليف الإعاشة والسكن للمرضى القادمين من المناطق البعيدة أو من ولايات أخرى، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من رسالته الإنسانية.
*ما أبرز التحديات التي تواجه المركز حالياً؟*
أكبر التحديات تتمثل في تزايد أعداد المستفيدين مقابل محدودية الإمكانات، إلى جانب الحاجة لإنشاء مراكز فرعية بالمحليات المختلفة لتخفيف الضغط على المركز الرئيسي.
كما نعمل على تنفيذ مشروع “الورشة المتحركة”، الذي يهدف إلى الوصول إلى المستفيدين في المناطق البعيدة، وإجراء القياسات وتسليم الأطراف الصناعية داخل محلياتهم دون الحاجة إلى انتقالهم للمركز.
ونسعى كذلك إلى تطوير المعدات والأجهزة المستخدمة في التصنيع، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة والأطراف المطاطية ذات الجودة العالية.
*كيف تنظرون إلى مستقبل المركز وخدمات الأطراف الصناعية في السودان؟*
نتطلع إلى تحويل مركز الأطراف الصناعية بالولاية الشمالية إلى مركز قومي يخدم جميع ولايات السودان، مستفيدين من الخبرات المتراكمة والإمكانات الفنية المتوفرة.
كما نسعى إلى توطين صناعة الأطراف الصناعية وخدمات التأهيل داخل السودان، وتوسيع الشراكات مع المنظمات الوطنية والدولية لضمان استمرارية توفير المواد الخام وتحسين جودة الخدمات.
ونأمل كذلك في تطوير البنية التحتية للمركز عبر التوسع في المباني وإنشاء قاعات للتدريب والأنشطة المختلفة، بما يمكننا من استيعاب الأعداد المتزايدة من المستفيدين.
وفي الختام، نؤكد أن أبواب المركز ستظل مفتوحة أمام جميع المحتاجين للعلاج والتأهيل. فالحرب خلفت آلاف المصابين وذوي الإعاقات، ومسؤوليتنا الإنسانية والمهنية تفرض علينا مواصلة العمل من أجل إعادة الأمل والحركة والاستقلالية لكل من فقد طرفاً أو تعرض لإصابة أثرت على حياته.
حوار: رباب محمود عبد المجيد..
التيار
