الخميس, يونيو 4, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمقايضة البنادق بالمناصب!.. بقلم رعد الناصري

مقايضة البنادق بالمناصب!.. بقلم رعد الناصري

سودان تمورو

يبدو الحديث عن “حصر السلاح بيد الدولة” في أي سياق سياسي طبيعي مطلباً عقلانياً وبديهياً؛ فلا دولة حقيقية تبسط سيادتها في ظل وجود عشرات الفصائل المسلحة خارج إطارها الرسمي. لكن حين نسقط هذه القاعدة الذهبية على الحالة العراقية، حيث تتغلغل القواعد العسكرية الأمريكية، وتتحرك قوات واشنطن وتنفذ اغتيالاتها بحق العراقيين متى وكيفما شاءت، بل وتتدخل في هندسة الرئاسات وتحديد هوية رئيس الوزراء، فإن هذا الطرح ينسلخ من عقلانيته ليتحول إلى كارثة سياسية واستراتيجية مكتملة الأركان.

لقد تخلقت الفصائل المسلحة في العراق عبر منعطفين تاريخيين حاسمين: الأول إبان الغزو الأمريكي عام 2003، والثاني مع اجتياح تنظيم الدولة (داعش) للبلاد عام 2014. وفي ذروة هذه الأحداث، برز على الساحة أكثر من أربعين فصيلاً مقاوماً، استمدت جلها هويتها ووجودها وتسليحها من الدعم المفتوح الذي قدمته طهران. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في الجحود السياسي الذي قوبل به هذا الدعم؛ ففي أحلك اللحظات وأكثرها حساسية، وتحديداً في الأيام الأولى لمعركة “سيف القدس”، اختار قادة بعض هذه الفصائل تجاهل اتصالات حلفائهم، ظناً منهم أن موازين القوى الإقليمية قد حُسمت لصالح المحور الآخر.

وبعد انكسار شوكة داعش، تجسدت حالة المقاومة في مؤسسة “الحشد الشعبي”، التي ولدت من رحم فتوى الجهاد الكفائي للمرجع الأعلى آية الله علي السيستاني، وبجهود ميدانية حثيثة قادها الجنرال قاسم سليماني. وقد تم تثبيت هذا الكيان بذكاء سياسي ليصبح قوة رسمية تحت مظلة رئاسة الوزراء العراقية. هذا المشهد لم يرق للأمريكيين، الذين وضعوا نصب أعينهم هدفاً استراتيجياً يتمثل في إضعاف النفوذ الإيراني عبر تفكيك الحشد أو إذابته. وقد بدأت أولى التصدعات قبل سنوات، حين انسحبت بعض الفصائل المرتبطة بالعتبات المقدسة، مثل “لواء علي الأكبر” و”فرقة العباس”، متأثرة بخطابات طائفية واتهامات للحشد بالتبعية.

لم تقتصر التصدعات على الانسحابات الميدانية، بل امتدت لتشمل انخراط فصائل كبرى كمنظمة بدر، والتيار الصدري، وعصائب أهل الحق في رمال السياسة المتحركة ولعبة السلطة، مما باعد بينها وبين محور المقاومة يوماً بعد يوم. وفي أعقاب الانتخابات الأخيرة، تدخلت الإرادة الأمريكية بوضوح لقطع الطريق على مرشح الإطار التنسيقي، نوري المالكي، لتدفع بشخصيات بديلة لا تملك رصيداً سياسياً وازناً، لتمرير أجندات محددة، على رأسها إعادة إحياء مشروع “حصر السلاح”.

في خضم هذا المناخ الملبد بالتحولات، تصدر المشهد مقتدى الصدر -الذي اعتاد السباحة عكس تيار الحلفاء- مبادراً بحل جناحه المسلح “سرايا السلام” وتسليم أسلحته. وتتجلى هنا حالة من الازدواجية السياسية؛ فهؤلاء الذين يتغنون بالسيادة والاستقلال ورفض التدخلات الخارجية حين يتعلق الأمر بطهران التي أسست لوجودهم، يلوذون بالصمت المطبق أمام الانتهاكات والتدخلات الأمريكية السافرة. وسرعان ما امتدت عدوى هذا التراجع لتشمل فصائل مثل “عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي”، التي سارعت، بمجرد حصدها لمقاعد برلمانية ومكاسب وزارية، إلى إعلان استعدادها لتسليم سلاحها والخروج من عباءة الحشد، مفضلة فتات السلطة على ثوابت المقاومة.

إن هذا التهافت على التخلي عن السلاح ليس مجرد خطوة سياسية داخلية، بل هو تحرك مدروس يهدف إلى تضييق الخناق على الفصائل الأكثر التصاقاً بمحور المقاومة، كحركة النجباء وكتائب حزب الله، وهو ما يفسر حملة الاغتيالات التي طالت قادتهم مؤخراً. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل إلى حد توجيه مطالبات مشتركة من قيادات سياسية للمرجع السيستاني لسحب فتوى الجهاد، في محاولة لضرب الغطاء الشرعي الذي يستظل به الحشد الشعبي.

تحدث هذه التنازلات في وقت تخوض فيه المنطقة حرباً وجودية طاحنة، ليجد هؤلاء أنفسهم -بوعي أو بدونه- يلعبون في المربع الأمريكي. ورغم هذا الخذلان السافر من أجل مكاسب سلطوية عابرة، فإن طهران تدرك جيداً أن من تخلت عنهم أمريكا يوماً لم تبقِ لهم أثراً، وأن المقاومة في العراق أعمق من أن تُختزل في فصائل تبدلت ولاءاتها. لذا، فقد أثمرت استراتيجية ما بعد اغتيال سليماني عن ولادة جيل جديد من الفصائل العابرة للتقليد، مثل “أنصار الله الأوفياء”، و”أصحاب الكهف”، و”أولياء الدم”. هذا الجيل الجديد، المدجج بترسانة مرعبة من الصواريخ الباليستية والمجنحة، بل والفرط صوتية، أثبت في المعارك الأخيرة أن المقاومة العراقية شجرة ضاربة الجذور، تستعصي على الاجتثاث، وتتجدد من تحت رماد الخيانات.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات