سودان تمورو:
في مفارقة قاسية تلخص مأساة المشهد السوداني الراهن، تتقاطع أصوات البنادق مع صمت قاعات الامتحانات؛ حيث انطلقت في مناطق سيطرة “قوات الدعم السريع” بولايات دارفور وكردفان امتحانات موازية للشهادة الثانوية، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ اندلاع شرارة حرب أبريل 2023. المشهد الذي تصدّره قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، بافتتاحه مراكز الامتحانات في مدينة نيالا وتعهده بصرف رواتب المعلمين واستقرار التعليم، يضع السودانيين أمام واقع جديد ومعقد. فهذه الخطوة التي تشمل 83 مركزاً، تأتي بعد حرمان نحو 280 ألف طالب في تلك الولايات من حقهم الأصيل في أداء الامتحانات لثلاثة أعوام متتالية، وتقف في خط موازٍ لامتحانات رسمية نظمتها الحكومة السودانية المعترف بها دولياً في أبريل الماضي بمشاركة أكثر من 564 ألف طالب.
لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن مآلات الصراع ومخاطره الاستراتيجية، إذ تثير هذه الخطوة هواجس مشروعة وعميقة من تكريس الانقسام الإداري والسياسي، وربما الجغرافي، في جسد الدولة السودانية. فلطالما حذرت شخصيات أكاديمية ولجنة المعلمين من خطورة تسييس التعليم، ورفعت الصوت عالياً بضرورة توحيد الامتحانات تحت مظلة لجنة قومية مستقلة، إدراكاً منها بأن تحويل المناهج والشهادات إلى أداة من أدوات الصراع يعني ضرب آخر معاقل الوحدة الوطنية، وتحويل التعليم من جسر يجمع أبناء الوطن إلى خندق يعمق انقسامهم.
ورغم الموقف المبدئي والانتقاد الشديد والمبرر لقوات الدعم السريع وحلفائها السياسيين في ما يُعرف بحكومة “تأسيس”، والرفض القاطع للمسار العسكري الذي أدمى البلاد، إلا أن العقلانية والمسؤولية الأخلاقية تقتضي النظر إلى هذه الامتحانات من زاوية إنسانية وحقوقية بحتة. فالقاطنون في مناطق سيطرة الدعم السريع هم في نهاية المطاف مواطنون سودانيون كاملو الأهلية والحقوق، حاصرتهم نيران حرب لم يختاروها. وبناءً على ذلك، يصبح دعم خطوة إقامة الامتحانات لهؤلاء الطلاب انحيازاً لحقهم في الحياة والمستقبل، ورفضاً لجعلهم رهائن في بازار المزايدات السياسية أو ضحايا لجيل كامل مهدد بالضياع والجهل.
إن أبناءنا الذين جلسوا على مقاعد الامتحان في دارفور وكردفان لا يحملون على أكتافهم أوزار هذه الحرب، ولا ينبغي أن تُعلق مشانق مستقبلهم على أعواد الخلافات السياسية. ولذلك، تتجلى الحاجة الماسة اليوم إلى رؤية وطنية تتجاوز مرارة اللحظة؛ رؤية تضمن عدم معاقبة هؤلاء الطلاب مرتين: مرة بوطأة الحرب، ومرة برفض الاعتراف بجهدهم. والأمل معقود على أنه في حال انجلاء هذه الغمة بالوصول إلى اتفاق سلام شامل، أو في حال استعادة الجيش السوداني لسيطرته على تلك المناطق، أن تتحلى مؤسسات الدولة بمسؤوليتها التاريخية وتعتمد نتائج هذه الامتحانات رسمياً.
في نهاية المطاف، الأوطان لا تُبنى بكسر أقلام أبنائها، وتاريخ الأمم يُكتب بمدى قدرتها على حماية أجيالها القادمة من أتون الصراعات العبثية. إن امتحان الشهادة الثانوية في السودان اليوم لم يعد مجرد اختبار في المقررات الدراسية، بل هو امتحان عسير للضمير الوطني بأسره؛ فإما أن ننجح في تحييد مستقبل أبنائنا عن ساحات المعارك، أو نرسب جميعاً في اختبار الحفاظ على ما تبقى من وحدة السودان.
