سودان تمورو
تعيش الفصائل المسلحة السورية التي تمولها وتدربها تركيا حالةً من عدم الاستقرار، خاصةً بعد عملية «الدمج» التي أطلقتها وزارة الدفاع السورية على إثر سقوط النظام بهدف جمع كل الفصائل المقاتلة تحت راية «الجيش السوري الموحد».
هذه الفصائل، وعلى الرغم من «الدمج» الجزئي، يتقاضى عناصرها أجورهم الشهرية من تركيا، وبالعملة التركية لا بالعملة السورية أو بالدولار، كونهم يعملون ويعيشون في أرياف حلب وإدلب وأقصى الريف الشمالي الشرقي من سوريا، حيث لا تزال العملة التركية إحدى العملات الرئيسية هناك التي يمكن استعمالها في التداول اليومي.
والأجور الزهيدة التي يتقاضاها أولئك المقاتلون تجعلهم عرضة للاستخدام في ساحات قتال خارج سوريا، لأفريقيا حصة الأسد فيها، مقابل أجر أعلى وبالدولار. هنا يقول مصدر في شمال إدلب لـ«الأخبار» إن «تركيا تقدّم للمقاتلين في الجيش الوطني السوري، وهم فصائل تابعة لما يُعرف بـ«الحمزات» و«العمشات»، عروضاً مغرية نسبةً إلى أوضاعهم المعيشية الحالية. فبعد التدريب في تركيا يتم إرسالهم إلى النيجر ومالي وبوركينا فاسو، لحماية المصالح التركية في القارة الأفريقية مقابل مبالغ تراوح قيمتها بين 1500 و1800 دولار أميركي شهرياً، مع التعهد بالتعويض في حال الإصابة، وكذلك التعهد لذويهم بمنحهم تعويضاً عن أبنائهم في حال قُتلوا جراء أحداث أمنية».
والمعروف عن هذه الفصائل أنها كانت مستثناة من رفع العقوبات الأميركية التي تلت سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024 وتسلّم أحمد الشرع الحكم، إذ كان زعيماً لهيئة تحرير الشام. فلم تعد «تحرير الشام» تنظيماً إرهابياً بعد إزالتها من اللوائح الأميركية، لكن «الحمزات» و«العمشات» فُرضت عليهما عقوبات أميركية حديثاً بعد تورطهما في مجازر الساحل والسويداء التي وقعت منتصف عام 2025. ووفق خبير في القانون الدولي، فإن «تلك الفصائل تشكل إحراجاً للسلطة في دمشق التي تحاول الخروج من الماضي نحو حاضر بلا عقوبات ولا تجريم»، ويرى الخبير الذي تواصلت معه «الأخبار» أن التخلص منهم عبر إخراجهم من سوريا إلى ساحات أخرى هو خطوة سترحب بها حكومة دمشق أياً كانت الجهة الراعية لها.
من الناحية القانونية، إنّ استخدام المقاتلين الأجانب في النزاعات أو المهام الأمنية خارج بلدانهم يثير إشكالات قانونية معقدة، لا سيما عندما يكون الدافع الأساسي للتجنيد مادياً. ورغم أن الاتفاقيات الدولية تجرّم تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم في ظروف محددة، فإن إثبات الصفة القانونية للمرتزق يبقى أمراً بالغ الصعوبة بسبب الشروط الصارمة التي يفرضها القانون الدولي. ومع ذلك، فإن الدول أو الجهات التي تنظم عمليات التجنيد والنقل قد تواجه انتقادات قانونية وسياسية إذا ارتبطت هذه الأنشطة بانتهاكات لحقوق الإنسان أو للقانون الدولي الإنساني أو بمساس بسيادة الدول التي تجري فيها العمليات.
الدوافع التركية
تولّت تركيا هذه المهمة لسببين أساسيين: الأول هو استثمار هؤلاء المقاتلين الذين دربتهم أنقرة ودفعت لهم مبالغ طائلة أثناء الحرب السورية وبعدها في حماية مصالحها أينما كانت. لذا فهي تختار إرسال المرتزقة لتنفيذ هذه «المهام الشاقة» بدلاً من إرسال قوات تركية رسمية.
أما السبب الثاني فيتمثل في «تنظيف سوريا» من كل الفصائل المسلحة التي لا تزال على لوائح «الإرهاب» عالمياً، مما يسدي للنظام السوري الجديد خدمة يؤكد من خلالها للرأي العام العالمي أن الجيش السوري المشكل حديثاً لا يضم أي فصائل مسلحة غير نظامية.
ووفق مصادر مطلعة لـ«الأخبار»، فإن أغلبية المقاتلين المرسلين إلى أفريقيا هم من جنسيات أجنبية، وأوضاعهم المعيشية في سوريا صعبة للغاية بسبب انخفاض الأجور التي يتقاضونها شهرياً.
آليات التجنيد والنقل
تتم عملية تجنيد ونقل المقاتلين عبر شبكة منظمة تضم فصائل مختلفة من الجيش الوطني السوري، إذ يُشترط في المجندين امتلاك خبرة وتدريب عسكري سابق، وألا يتجاوز عمرهم 35 عاماً، مع تفضيل أصحاب الاختصاصات العسكرية مثل أطقم المدرعات والقناصين. وبعد استكمال إجراءات التجنيد، يُنقل المقاتلون من مواقعهم داخل سوريا إلى تركيا، ثم يُنقلون جواً إلى النيجر، مع اتخاذ تدابير أمنية مشددة تشمل مصادرة هواتفهم لضمان السرية.
وتتمثل المهام الموكلة إليهم في حماية المصالح التركية في النيجر، بما في ذلك المناجم والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية، مع احتمال مشاركتهم في عمليات قتالية ضد الجماعات الجهادية الناشطة في المنطقة. وفي هذا السياق، تُعد الشركات الأمنية الخاصة إحدى الأدوات التي توظفها القوى الدولية لتعزيز نفوذها الخارجي دون اللجوء إلى تدخل عسكري مباشر، إذ يشهد إقليم الساحل تنافساً متزايداً بين تركيا وروسيا الممثلة بـ«قوات «فاغنر».
تُتهم شركة «سادات» التركية بلعب دور محور في عمليات تجنيد ونقل المقاتلين السوريين وتوقيع العقود معهم
ووفق تقارير دولية تابعت الملف عام 2025، تُتهم شركة «سادات» التركية للاستشارات الدفاعية، المقربة من الحكومة التركية، بلعب دور في عمليات تجنيد ونقل المقاتلين السوريين إلى النيجر. وعلى الرغم من نفيها لهذه الاتهامات، تشير تقارير متعددة إلى أن المقاتلين يوقعون عقوداً مرتبطة بالشركة.
والجدير بالذكر أن عملية نقل المرتزقة من سوريا إلى أفريقيا ليست وليدة مرحلة ما بعد سقوط النظام، بل كانت سابقاً فكرة رائجة في عهد الأسد برعاية روسية، حيث كان مقاتلو «الدفاع الوطني» آنذاك ينضمون إلى قوات «فاغنر» الروسية، وتتولى روسيا مهمة نقلهم إلى أفريقيا لحماية مصالحها مقابل أجور تتراوح من 2000 إلى 2500 دولار شهرياً. وأصبح هذا الملف نشطاً في المرحلة التي ساد فيها الهدوء النسبي على جبهات متعددة من سوريا بعد تسويات ومصالحات عام 2017، ما دفع المتفرغين من «الدفاع الوطني» إلى التطوع مع الروس والذهاب إلى القارة الأفريقية للقتال وحماية المصالح الروسية.
صجيفة الاخبار اللبنانية
