الإثنين, يونيو 8, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيصفعة أمنية من «خارج الصندوق»: الداخل المحتلّ ليس «مأموناً» .. احمد العبد

صفعة أمنية من «خارج الصندوق»: الداخل المحتلّ ليس «مأموناً» .. احمد العبد

سودان تمورو
لم يمضِ بعض الوقت على عملية إطلاق النار قرب مستوطنة «كوخاف يائير»، والتي أسفرت عن مقتل مستوطن وإصابة خمسة آخرين، حتى بدأ وزير المالية الإسرائيلي المتطرّف، بتسلئيل سموتريتش، باستثمارها سياسياً. فالرجل المعروف بخطابه التحريضي ضدّ الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو في الأراضي المحتلة عام 1948، سارع إلى توظيف العملية في تذخير ذلك الخطاب، خصوصاً في لحظة حسّاسة تشتدّ فيها حاجة التيار اليميني المتطرّف وسموتريتش نفسه إلى جذب أصوات المستوطنين واليمين الأكثر تطرّفاً، إذ تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تراجعاً مستمراً في شعبية حزب «الصهيونية الدينية» إلى مستويات تهدّد بعدم تجاوزه نسبة الحسم في أيّ انتخابات مقبلة.
وقبل ساعات من وقوع العملية، كان سموتريتش منشغلاً بالتحريض على لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك على خلفية إعلان جيش الاحتلال رصد إطلاق صاروخَين من جنوب لبنان نحو شمال فلسطين المحتلة. واكتفى الوزير الإسرائيلي بنشر كلمة «الضاحية» عبر حساباته، في تذكير بمواقفه السابقة الداعية إلى استهداف الضاحية وتدميرها على نطاق واسع. غير أن عملية «كوخاف يائير» وفّرت للوزير المتطرّف فرصة جديدة لنقل دائرة التحريض إلى فلسطينيّي الداخل؛ إذ وصفها بأنها «جرس إنذار دموي» يستوجب، على حدّ تعبيره، «إحداث تغيير عميق لدى عرب إسرائيل»، مدّعياً وجود تصاعد في ما سمّاه «التطرّف القومي» بينهم، ومعتبراً أنهم يشكّلون «خطراً وجودياً» على كيان الاحتلال. ولم يتأخّر وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، بدوره، في المزايدة على سموتريتش، مطالباً بإعدام مُنفِّذ الهجوم إذا كان لا يزال على قيد الحياة – قبل أن يتبيّن لاحقاً استشهاده -.

ولا يمكن فصل هذه المواقف عن الواقع السياسي لليمين الإسرائيلي اليوم، والذي تسِمه أزمة ثقة متصاعدة لدى جزء من جمهوره على الأقلّ، مع استمرار الحرب على أكثر من جبهة، وتعاظم الخسائر البشرية والعسكرية من جرّائها، وتعذّر تحقيق أهدافها المُعلَنة في كلّ من غزة ولبنان وإيران. وفي هذا السياق، تعكس مواقف سموتريتش حاجةَ اليمين إلى استعادة خطاب «الأمن» في لحظة تتآكل فيها صورة الحكومة التي قدّمت نفسها باعتبارها «الأكثر يمينيةً وقدرةً على فرض الأمن»، وإعادة ذلك الملفّ إلى صدارة النقاش العام الداخلي، وصرف الأنظار بعيداً عن الأزمات التي تلاحق الائتلاف الحاكم، من ملفّات الفساد إلى المشكلات السياسية والقضائية، وعن الانتقادات المتصاعدة لإدارة الحرب. ومن هنا، يُرجّح أن يتجاوز توظيف عملية «كوخاف يائير» حدودها الأمنية المباشرة، ليترجَم مزيداً من الضغوط على الفلسطينيين في أراضي 1948، الذين يواجهون أصلاً حملات متواصلة من التحريض والعنصرية والملاحقات الأمنية. وهي حملات تكمّل سياسات سلطة الاحتلال المُمنهجة المغذّية لتفشّي الجريمة هناك، والساعية لاستثمارها كأداة لإضعاف المجتمع الفلسطيني في الداخل.

وانطلاقاً من إرادة «التوظيف» تلك، من المتوقّع أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً في الإجراءات الأمنية ضدّ المدن والبلدات العربية، وزيادة في حملات الاعتقال والاستدعاء والتحقيق، إلى جانب تشديد الرقابة الأمنية ورفع مستوى الملاحقة السياسية والإعلامية لكلّ أشكال التعبير الوطني الفلسطيني. كذلك، يُتوقّع أن تستغلّ الأحزاب اليمينية العملية للمطالبة بتشريعات أكثر تطرّفاً ضدّ فلسطينيّي الداخل، تشمل تشديد العقوبات على القضايا ذات الطابع السياسي، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، وطرح مشاريع قوانين تستهدف سحب الحقوق المدنية أو تقليصها تحت ذرائع أمنية.
وكانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كرّست، طيلة السنوات الماضية، سياسات تحريض وتمييز ضدّ الفلسطينيين في الداخل، وتعاملت معهم باعتبارهم مواطنين من «درجة ثانية»، الأمر الذي عمّق مشاعر الغضب والاغتراب والإحباط لديهم. كما أن سياسات بن غفير وسموتريتش القائمة على الاستفزاز المتواصل للمدن والبلدات العربية، وزياراتهما التحريضية المتكرّرة، وخطابهما الداعي إلى الطرد والإقصاء، كلّها عوامل أسهمت في رفع مستوى الاحتقان داخل المجتمع الفلسطيني.
وبالعودة إلى عملية «كوخاف يائير» التي تختلف عن الكثير من العمليات الفردية التي شهدتها السنوات الماضية، فإنها تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى مكان وقوعها الذي يُعدّ من أكثر المناطق استقراراً داخل الكيان. ويفسّر هذا الأمر حجم الصدمة التي أحدثتها العملية داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وكثرة الأسئلة الجوهرية التي طرحتها ربطاً بالأمن الشخصي للإسرائيليين، وبقدرة الأجهزة الأمنية على منع الهجمات في العمق الإسرائيلي.

وإلى جانب ذلك، أعادت العملية إلى الواجهة ملفّ انتشار السلاح والجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل أراضي الـ48. وهو الملفّ الذي لطالما اتُّهمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، حتى من قِبل شخصيات سياسية وأمنية إسرائيلية، بالتقاعس المُتعمَّد عن معالجته، لا بل بتغذيته على أيدي عناصر الشرطة، من خلال التغطية على قادة العصابات وتسليحهم. وكان مسؤولون أمنيون إسرائيليون حذّروا، في السنوات الماضية، من أن استمرار هذا الواقع قد يؤدّي في نهاية المطاف إلى استخدام السلاح ضدّ أهداف إسرائيلية، وهو ما يبدو أن المؤسسة الأمنية ستعيد النظر فيه بعد عملية اليوم.
أمّا على الصعيد السياسي، فيطرح وقوع الهجوم داخل منطقة تُعدّ من «الأكثر استقراراً» علامات استفهام كبيرة حول فعّالية السياسات الأمنية التي يتبنّاها الائتلاف اليميني الحاكم الذي بنى جزءاً كبيراً من «شرعيّته» على ادّعاء تحقيق الأمن، في ما يمثّل ضربة إضافية لصورته. ومع ذلك، فإن القراءة الإسرائيلية السائدة لا تبدو متّجهة نحو ما يسمّيه بعض ناقديها مراجعة الأسباب العميقة للاحتقان أو معالجة جذوره، بقدر ما تميل، على الأرجح، إلى مزيد من التشدّد والعقوبات الجماعية والتحريض، الأمر الذي سيضع فلسطينيّي الداخل أمام واقع أكثر صعوبة خلال الفترة المقبلة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات