سودان تمورو:
في خضم ما نشهده من توترات على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنشورات تتحدث عن مواقف عنصرية أو إساءات يتعرض لها بعض السودانيين المقيمين في مصر، وجدت نفسي مدفوعا للكتابة؛ لا لأجادل في واقعة بعينها، ولا لأدافع عن خطأ إن وقع؛ فالخطأ يظل خطأ مهما كان مرتكبه، والعنصرية تبقى قبيحة مهما كان مصدرها. لكنني أكتب لأنني أخشى أن تضيع الحقائق وسط ضجيج الغضب، وأن تنسينا الأحداث الآنية ما بين الشعبين من تاريخ طويل من الأخوّة والمواقف الإنسانية التي لا يجوز أن تُمحى من الذاكرة.
لقد قرأت منشورا لشاب سوداني يشكو فيه من بعض المواقف التي تعرض لها في وسائل المواصلات العامة في مصر. وقد يكون فيما ذكره شيء من الحقيقة التي ينبغي مواجهتها بشجاعة، لا بإنكار أو مكابرة. فالمجتمعات كلها فيها الصالح والطالح، وفيها الكريم والجافي، وفيها من يرتقي بأخلاقه، وفيها من تجره جهالاته إلى الإساءة للآخرين. لكن ما لا يجوز هو أن تتحول أخطاء بعض الأفراد إلى صورة ذهنية عن شعب بأكمله، أو أن يقابل الجحود المعروف بالجحود، أو أن يُنسى الفضل عند أول خلاف أو أزمة.
وأنا أكتب هذه السطور لا أتحدث عن السودان الذي أعرفه من الكتب أو الأخبار، وإنما عن السودان الذي عشته، وعرفت أهله وخالطتهم، وأكلت من طعامهم، ونمت آمنا بين ظهرانيهم يوم كنت مطاردا في بلدي، ويوم كانت أبواب كثيرة موصدة في وجوهنا.
القاصي والداني يعلم أن كثيرا من المصريين اضطروا خلال السنوات الماضية إلى مغادرة بلادهم بسبب الأوضاع السياسية وما تبعها من ملاحقات وتضييق على المعارضين، وكنت واحدا من هؤلاء الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى البحث عن مكان آمن يبدؤون منه حياة جديدة.
وأنا لا أتحدث من موقع تنظير أو تحليل بارد، بل من تجربة مباشرة؛ فقد كانت مرحلة سياسية في مصر دفعت كثيرين من المعارضين إلى خارج البلاد، تحت ضغط الملاحقات والتضييق السياسي بعد 2013، حين لم يعد المنفى خيارا نظريا، بل واقعا مفروضا على آلاف الأشخاص. في تلك اللحظة، لم يكن السؤال: أين نذهب؟ بل: أين يمكن أن نعيش أصلا؟
في تلك الأيام، لم يكن السودان بالنسبة لنا مجرد دولة مجاورة تقع جنوب الحدود، بل كان بابا مفتوحا حين أُغلقت أبواب كثيرة، وملاذا آمنا حين ضاقت السبل.
أتذكر أول دخول لي إلى السودان وكأنه حدث بالأمس. كانت الرحلة طويلة وشاقة، وكان الوصول إلى مدينة بورتسودان متزامنا تقريبا مع أذان المغرب في أحد أيام رمضان المباركة. هناك رأيت مشهدا لم أعهده من قبل بتلك الصورة الجميلة؛ مجموعات من رجال الحي يجلسون في الطرقات حول موائد إفطار جماعي، يحمل كل واحد منهم ما استطاع من طعام أو شراب ليشاركه مع جيرانه. وهي عادة سودانية جميلة يتشارك فيها أهل الحي ما رزقهم الله، فيتحول الإفطار إلى مناسبة يومية للتراحم والتكافل والتآلف.
لم نكن نعرف أحدا من هؤلاء الناس، ولم يكن بيننا وبينهم سابق معرفة أو مصلحة. ومع ذلك، وما إن علموا أننا غرباء حتى رحبوا بنا وأصروا أن نجلس معهم ونفطر من طعامهم ونشرب من شرابهم. لم أشعر حينها أنني في بلد غريب، بل شعرت أنني بين قوم يعرفون قيمة الإنسان قبل أن يعرفوا اسمه أو جنسيته أو انتماءه.
ولم يكن ذلك الموقف استثناء، فخلال فترة إقامتنا في السودان تكررت المواقف التي أكدت لنا أن الكرم السوداني ليس مجرد صورة نمطية يتداولها الناس، بل هو ثقافة راسخة وجزء من الشخصية السودانية نفسها.
في إحدى المرات، تعرض منزل تسكنه أسرة سودانية لعطل كهربائي بسيط، فساعد بعض الشباب المصريين المقيمين معنا في إصلاحه. لم يكن العمل كبيرا ولا معقدا، وانتهى الأمر في دقائق معدودة. لكننا فوجئنا بعد ساعات بصاحب المنزل يطرق بابنا ويدعونا جميعا إلى منزله. ذهبنا تلبية للدعوة، فوجدنا الرجل قد أعد لنا وليمة كبيرة وكأننا ضيوف جاءوا من سفر بعيد أو أصحاب فضل عظيم عليه. حاولنا الاعتذار أو التقليل من قيمة ما فعلناه، لكنه لم يقبل. كان يرى أن من واجبه أن يرد المعروف بأفضل منه، وأن يكرم من وقف إلى جانبه ولو في أمر يسير.
تلك المواقف لا تُنسى، ليس لأنها نادرة، بل لأنها كانت تتكرر بصورة جعلتنا ندرك أننا أمام شعب يتمتع بقدر كبير من الشهامة والوفاء وحسن الخلق.
أما الموقف الذي يبقى الأقرب إلى قلبي، فهو ما يتعلق بأسرتي. فقد بقيت زوجتي وأولادي في مصر فترة من الزمن بعد مغادرتي، وتعقدت أمامهم سبل السفر، حتى أصبح السودان هو الطريق الذي احتضنهم وأمّن لهم الإقامة إلى أن اكتملت إجراءات انتقالهم ولحقوا بي. وما زلت أذكر تلك الأيام بكل ما فيها من قلق وانتظار، وأذكر كذلك أن السودان لم يكن مجرد محطة عبور، بل كان بيتا آمنا استقبلهم حتى انفرجت الأزمة.
وهذه مجرد أمثلة قليلة من كثير رأيته ولمسته بنفسي، ولو أردت أن أعدد مواقف النبل والكرم التي رأيتها من أهل السودان لما وسعني منشور ولا منشورات.
لهذا كله، يصعب عليّ أن أقرأ اليوم بعض العبارات الجارحة التي تُطلق أحيانا بحق السودانيين، أو أن أرى من يتعامل معهم وكأنهم غرباء لا حق لهم في الاحترام أو الكرامة.
إن مصر التي كانت عبر تاريخها ملاذا للمستضعفين والفارين من الحروب يجب أن تبقى كذلك. لا ينبغي أن تسمح لنا الأزمات الاقتصادية أو الضغوط المعيشية بأن نفقد إنسانيتنا، أو أن نعامل الملهوفين بغير ما نحب أن نُعامل به لو كنا مكانهم
إن من حق السوداني علينا -نحن المصريين- أن نتذكر؛ نتذكر أن هذا الشعب فتح أبوابه لعشرات الآلاف من المصريين في أوقات الشدة، ونتذكر أن كثيرا من المصريين عاشوا وعملوا وتاجروا وتعلموا في السودان على مدار عقود طويلة، ونتذكر أن ما بيننا وبين السودان ليس مجرد حدود سياسية رسمها الاستعمار، وإنما تاريخ مشترك ونيل واحد وروابط أسرية واجتماعية تمتد عبر أجيال متعاقبة.
والحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها أن الشعب السوداني يعيش اليوم واحدة من أصعب المحن في تاريخه الحديث؛ ملايين النازحين واللاجئين فقدوا بيوتهم وأعمالهم واستقرارهم، وكثير منهم لم يغادر بلاده اختيارا، وإنما فرارا من الحرب والخوف والمجهول. وفي مثل هذه الظروف تُختبر أخلاق الأمم والشعوب.
إن مصر التي كانت عبر تاريخها ملاذا للمستضعفين والفارين من الحروب يجب أن تبقى كذلك. لا ينبغي أن تسمح لنا الأزمات الاقتصادية أو الضغوط المعيشية بأن نفقد إنسانيتنا، أو أن نعامل الملهوفين بغير ما نحب أن نُعامل به لو كنا مكانهم.
ولهذا فإن رسالتي إلى المصريين بسيطة وواضحة: استوصوا خيرا بأهل السودان، عاملوهم بما تحبون أن يُعامَل به أبناؤكم لو اضطرتهم الأيام إلى الغربة. تذكروا أن كثيرا منكم أو من أقاربكم أو أصدقائكم وجد يوما في السودان مأوى، أو رزقا، أو كرامة، أو فرصة حياة جديدة. ولا تكونوا عونا على ضحايا الحرب والمحنة، ولا تسمحوا لخطاب الكراهية أن يفسد ما بناه التاريخ من محبة وأخوة.
ورسالتي إلى أهل السودان كذلك: اعلموا أن ما يصدر من بعض الجهال أو المتعصبين لا يمثل الشعب المصري كله، كما لا نقبل نحن أن يُحكم على السودان من خلال تصرفات أفراد معدودين. فما زال في مصر ملايين يعرفون قدر السودان وأهله، ويحملون لهم من المحبة والامتنان أكثر مما تتسع له الكلمات.
أما أنا، فسأبقى ما حييت أذكر للسودان وأهله فضلهم، وأعلم أولادي أن لهذا البلد الكريم دينا في أعناقنا لا يسقط بالتقادم، وأن الوفاء ليس ترفا أخلاقيا، بل واجب على كل من عرف المعروف وأحسن إليه الناس.
اللهم احفظ السودان وأهله، واجبر كسرهم، وفرّج كربهم، ورد إليهم أمنهم واستقرارهم، واجزهم عن كل يد امتدت بالعون، وعن كل باب فتحوه لمحتاج أو غريب خير الجزاء. اللهم ألّف بين قلوب شعوبنا، وأبعد عنها أسباب الفرقة والبغضاء، واجعل ما بين مصر والسودان دائما أخوّة ورحمة وتعاونا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
محبة السودان وأهله دين في أعناق كثير من المصريين الشرفاء، لا ينسونه ما حيوا. وأختم مقالي بدعوة مفتوحة لكل من مرّ بتجربة مع أهل السودان، أو احتفظ بذكرى جميلة معهم، أن يشاركها، لنجعل من هذا المقال مساحة صغيرة لتبادل الوفاء والذكريات الطيبة، وتأكيد أن ما يجمع بين الشعوب أكبر بكثير مما يفرّقها.
