سودان تمورو
ظلت قوات الدعم السريع تلاحق مبارك المعروف بين أقاربه وجيرانه ب(بركة) الذي يعاني من اضطراب نفسي منذ نحو أربع سنوات.
تعرض (بركة) وهو طبيب صيدلي يسكن مع عائلته بضاحية الحاج يوسف بمدينة الخرطوم بحري، للاعتقال أكثر من ثلاث مرات من قبل قوات الدعم السريع التي تسيطر على المنطقة منذ بدء القتال في منتصف أبريل من العام 2023.
وتنفي قوات الدعم السريع باستمرار ارتكاب أفرادها لانتهاكات ضد المدنيين، وتقول أنها ستقبض على المتفلتين وتقديمهم لمحاكمات عادلة.
يحظى (بركة) 35 عام،بمحبة وقبول كبيرين من قبل الجميع في منطقته كونه يتعامل مع الناس ببشاشة لا تحدها حدود وابتسامة لا تفارق محياه رغم حالته الصحية، في وقت لم تتخلى عنه أسرته، واعتاد الجيران تقديم الطعام له أثناء تجواله في الطرقات التي يعرفها جيداً منذ نعومة أظافره، لكن الحرب التي اندلعت قبل ما يقرب العامين كانت كابوسًا حقيقيًا بالنسبة له، حيث أصبح أحد الزوار الراتبين لزنازين معتقلات الدعم السريع بدلا عن تقديم المساعدة المناسبة له.
وأكد الناشط المهتم بقضايا حقوق الإنسان، أحمد المراد،إن بركة تعرض لتعذيب وحشي في كل مرة يتعرض فيها للاعتقال، ليُطلق سراحه في حالة مزرية، حيث أصبح يتلقى العلاج على يد إحدى الطبيبات التي اعرفها لم تبارح المنطقة التي تشهد معارك مستمرة.
على الرغم من الإصابات الجسدية والجراح النفسية، كان (بركة) يعود إلى الشوارع ليلاً، غير آبه للخطر المحدق به في واقع مفخخ و مجهول، مضيفاً بذلك رقماً جديدًا لأعداد الضحايا الذين تقتنصهم آلة الشك والقتل من قبل الطرفين المتحاربين الجيش وقوات الدعم السريع، وفقاً لمراد.
الموت يتربص بهم
مع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، اجتاحت الفوضى شوارع الخرطوم ومناطق أخرى من البلاد.
في خضم الفوضى التي اجتاحت مدن العاصمة الخرطوم عقب اندلاع الصراع، لم تكن الفئات المستضعفة أوساط السودانيين وعلى رأسها شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة بمنأى عن آثار الحرب، ومنهم أولئك الذين اعتادت شوارع المدينة أن تكون ملاذهم الوحيد، هؤلاء الذين عرفوا بـ(مجانين الخرطوم) باتوا اليوم ضحايا حرب لم تترك لهم فرصة للنجاة.
يشير المواطن (ن.س)، وهو أحد سكان محلية أمدرمان، إن ظاهرة اختفاء المجانين من شوارع وأسواق الخرطوم بدأت تظهر بوضوح بعد شهرين من اندلاع الحرب.
وأضاف”رغم أن بعضهم استقر في دور إيواء، إلا أن آخرين لا يزالون يعانون في مناطق سيطرة الأطراف المتحاربة أو يتنقلون بين الأرصفة والأسواق بحثًا عن لقمة تسد جوعهم”.
ومضى قائلاً: “مع ذلك، لم يكن الجوع وحده السبب وراء اختفائهم، بل أصبحوا ضحايا لنظرات الشك كما تطالهم تهمة “التجسس” وغالباً تصنفهم الأطراف بأنهم أفراد يتبعون لإستخبارات الطرف الآخر، مما يجعلهم أهدافًا سهلة للتصفية الجسدية” بحسب تعبيره.
واحدة من بين عشرات القصص المأساوية يرويها (ن.س)، تعود لأحد المجانين عثر على مقذوف غير منفجر في القمامة، حمله وألقاه في النار بجواره، ليحدث انفجار أودى بحياته في الحال.
وأوضح (ن.س)، أن هذه الواقعة تجسد الخطر اليومي الذي يواجهه هؤلاء الأشخاص نتيجة انعدام الوعي أو الحماية في بيئة تعج بالمخلفات الحربية.
أما نسيبة محجوب، تروي قصة لا تقل مأساة عن السابقة، تعود لإبن خالتها عمار محمد37عام ، الذي كان يعاني من إضطراب نفسي.
دائما ما يخرج عمار بمظهر مهندم لا يوحي لناظريه بأنه يعاني من إضطراب نفسي إلا لمن يعرفه، وعلى الرغم من اهتمام أسرته به.تقول نسيبة محجوب،أنه خرج ذات يوم من منزله في منطقة دار السلام غرب سوق ليبيا، وبعد أيام عُثر عليه مقتولًا وعليه آثار تعذيب شديد، وأظهرت صورة الجثة التي إلتقطت قبل دفنه إلى جروح عميقة وآثار تعذيب شديد وكذا رصاصة اخترقت جسده، مما يشير إلى معاناة قاسية عاشها قبل وفاته.
وتؤكد المواطنة(ب.م)عملية التصفيات الجسدية التي تحدث بشكل يومي للمجانين في الأحياء،لدرجة أن اختفوا في محلية أمبدة،ونادراً ما تصادف واحد منهم أو أثنين في منطقة الثورات بمحلية أم درمان.
وتشير إلى أنهم جميعًا باتوا محل إشتباه للطرفين،حيث لايتم إستجوابهم،يقتلوا بدم بارد والسلام.
رصاصتان اخترقتا ظهره وعنقه
قصة أخرى يرويها أحمد المراد، لأحد المجانين كان يعيش في شوارع العاصمة، وظل يتردد على بائعات الشاي بمنطقة الحاج يوسف، اللائي يعطينه كوباً من الشاي أو القهوة ما يعدل مزاجه.
“في إحدى المرات، صادف مجيئه تواجد أفراد من الدعم السريع.. طلب قهوة من بائعة الشاي بلهجة حادة (سريع سريع.. اديني قهوة اديني ياخ) الأمر الذي أثار استياء الجنود وبدأوا الحديث معه بصرامة، رد عليهم بنفس حالته الهستيرية (مالكم انتو دايرين شنو انتو؟!) فما كان من أحدهم إلا أن وضع سلاحه في وضع الاستعداد.. ركض المجنون، لكن رصاصة الجندي كانت أسرع من خطواته فإقتنصته رصاصتان، الأولى في عنقه والثانية إخترقت ظهره، ثم لحق به وأفرغ أخريات على جسده وتركه غارقاً يسبح في دمائه.
يواصل المراد، في سرد القصص المأساوية لمجانين الخرطوم في ظل حرب لا تستثني أحداً لافتاً إلى أن أحد المجانين كان يراقب ويتنصت الحوارات التي تدور حول الحرب بين الجيش والدعم السريع في منطقة الحاج يوسف شرقي مدينة بحري، وفي لحظة تهور لا يعرف عواقبها توجه إلى نقطة إرتكاز عسكرية تابعة للدعم السريع ووجه إنتقادات لاذعة لهم، فرد الجنود المتهورين بإطلاق النار على رجله، ثم اعتقلوه و احتجزوه في سجن شرق النيل دون توفير أي علاج للجراح، وإستمر النزيف حتى فارق الحياة بعد يومين.
الوجه الأشد إيلاماً
يشير أحمد المراد، إلى أن أحد الأوجه الأكثر إيلامًا لهذه المأساة هو تخلي الأسر عن أبنائها المضطربين نفسيًا عند اندلاع الحرب في شرق النيل، منوهاً إلى أن العديد من الأسر تركت هؤلاء الأفراد خلفها أثناء النزوح واللجوء، إما خوفًا من مخاطر الطريق أو بسبب الشعور بالعار والعيب المجتمعي المرتبط بهم، أما البعض الآخر تخلّى عنهم ذويهم عن عمد، اعتقادًا بأنهم يشكلون عبئًا كبيرًا في ظل انعدام الأمن والمجاعة المتزايدة.
وأردف مراد “مع ذلك لم يكن مصير هؤلاء مختلفًا عن أولئك الذين بقوا في الشوارع، معظم المجانين الذين ظلوا في مناطق النزاع قُتلوا بالرصاص تحت تهمة الاشتباه، يبدو أن الحرب قد أعادت صياغة نظرة المجتمع لهم، حيث باتوا يُعاملون كتهديد محتمل بدلاً من كونهم أفرادًا ضعفاء يستحقون الرعاية”.
قلة المختصين
كشفت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها في وقت سابق بعنوان “العيش وسط ندوب الحرب: كفاح الأسر النازحة في السودان” عن قلة عدد المتخصصين في الصحة العقلية في السودان وندرتهم منذ ما قبل النزاع الحالي، مشيرةً إلى أن هناك طبيبًا نفسيًا واحدًا لكل 2.5 مليون شخص، حاليًا.
وذكرت أنه لا يزال من الصعب تحديد تقديرات واضحة لاحتياجات الصحة العقلية داخل السودان وبين اللاجئين، موضحة أن حجم الصدمة هائل.
ونوهت المنظمة إلى قلة عدد المتخصصين في الصحة العقلية في السودان وندرتهم قبل حرب أبريل 2023، وذكرت أنه وفقًا لوزارة الصحة فقد كان لدى السودان 60 طبيبًا نفسيًا والآن، بقي حوالي 20 فقط أي ما يعادل طبيبًا نفسيًا واحدًا لكل 2.5 مليون شخص.
وذكرت أنه في البلدان المجاورة التي تستضيف اللاجئين السودانيين، مثل تشاد، لا توجد تقارير عن وجود أطباء نفسيين، ويقال إن جنوب السودان لديه اثنان فقط.
تدمير ونهب مستشفى”المجانين”
كانت إدارة مستشفى التيجاني الماحي للأمراض النفسية والعصبية المعروفة ب”مستشفى المجانين”، اتهمت في بيان لها في الأشهر الأولى لاندلاع القتال، قوات الدعم السريع بأنها ظلت متمركزة في المبنى منذ بداية الحرب منتصف أبريل 2023، قبل أن تطرد طاقم حراسته من أفراد النظام العام وتهددهم بالقتل بعد إخلائه من المرضى ونهبه وتخريبه.
وبحسب البيان فإن”قوات الدعم السريع قامت بنهب المستشفى وكسر خزانته وسرقة مابها من أموال ،إلى جانب تدمير كل الأجهزة الموجودة بالمعمل وتحطيم المكاتب والمخازن والصيدلية الخارجية وسرقة ما فيها من حواسيب ومكيفات ومولدات وغيرها،إلى جانب سرقة عربة الترحيل الخاصة بالمستشفى ثم تركوا ما تبقى نهباً للنيغرز (عصابات نهب منظمة) وغيرهم الذين قاموا بسرقة الأثاث”.
ظلت مستشفى التيجاني الماحي للأمراض النفسية والعصبية والعقلية التي تأسست في عام1971م، بمدينة أم درمان، كأول مستشفى متخصص في هذا المجال بالبلاد وهو المستشفى المرجعي القومي الوحيد أيضاً.ظل يقدم الخدمات لأصحاب الاضطرابات العقلية والنفسية، لكن الحرب أدت إلى تدميره وخروجه عن الخدمة وتشريد “المجانين” بداخله.
ويرى مراقبون أن تدمير المستشفى كارثة إنسانية كبيرة؛ لما يمثله كمركز علاج مهم لأعداد كبير من هذه الفئة من كل أنحاء السودان، إذ وصل إستقباله لحالات الإصابة بهذه الأمراض، بعد الإزدياد الملحوظ لأصحاب الأمراض النفسية في الآونة الأخيرة، حتى بلغ عدد المرضى المترددين إلى 200 حالة يومياً، بحسب وزارة الصحة.
الحاجة إلى تدخل عاجل
تقول اختصاصي الطب النفسي هيفاء محمد، إن هذه القصص المروعة، تبرز الحاجة الملحّة إلى مبادرات إنسانية واجتماعية لحماية هؤلاء الأفراد.
وذكرت في حديثها،يجب على الجهات الفاعلة محليًا ودوليًا العمل على توفير مراكز إيواء آمنة لهم، وتقديم الدعم النفسي والطبي اللازم.. كما ينبغي رفع الوعي المجتمعي حول حقوقهم وحمايتهم من الانتهاكات، بدلاً من الاستمرار في وصمهم بالجنون أو الاشتباه”.
مشيرة إلى أهمية وجود جهات أو مبادرات تتبنى هذه القضية، وأوضحت أن الفراغ الذي خلفه غياب الرعاية المؤسساتية والتنظيم المجتمعي يزيد من تفاقم الأزمة، ويترك هذه الفئة عرضة للمزيد من الانتهاكات.
ويرى خبراء أن هذه المحنة ليست مجرد فصل آخر في كتاب المعاناة السودانية، بل هي شاهد حي على انحسار الإنسانية في ظل الحرب، لافتين إلى أن هذه الفئة التي لطالما كانت جزءًا من الشوارع والأسواق، أصبحت اليوم رمزًا للخطر يجب أن يكون إنقاذهم أولوية لكل من يسعى إلى تحقيق العدالة الإنسانية في بلد تمزقه الحرب.
“إن تجاهل معاناتهم وتصفيتهم لن يكون سوى استمرار لدوامة الظلم التي لا تميز بين القوي والضعيف لكنها تعري إنسانيتنا مرات ومرارات؛لحظة سقوطهم إلى الجنون،ثم ببلاهة وعبثية تنفذ براثن الحرب لحصدهم حتى من هذا الترف!
..
