سودان تمورو:
لاتزال حالة الانقسام تسيطر على المشهد السياسي في السودان حتى اليوم، حيث يلخّص الوضع السياسي في السودان حالة عدم الاستقرار والانقسام السياسي والعسكري بين القوى السياسية والعسكرية والمدنية في البلاد ويُظهر بشكل واضح حالة الاستعصاء السياسي التي تمر بها البلاد كمؤشر واضح على حجم التدخلات الخارجية بالأزمة السودانية.
لذا فإن عدد كبير من الخبراء والباحثين يعتقدون بأن الحرب الدامية التي تشهدها البلاد منذ أكثر من عام ونصف، هي نتيجة طبيعية بديهية للتدخلات الخارجية، وأبرز شكل من أشكال الانقسام السياسي الداخلي.
الشرخ الكبير
في سياق ذو صلة، يعتبر كثير من الخبراء والمراقبين للشأن السوداني بأن نشوء تنسيقية القوى الديمقراطية “تقدم” في أواخر أكتوبر 2023 برئاسة عبدالله حمدوك، وانقسامها من جديد في فبراير الجاري، دليل واضح على الشرخ الكبير بين القوى السياسية في السودان.
حيث أعلنت قوى سياسية وشخصيات سودانية في 11 فبراير الماضي، عن تشكيل التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وذلك بعد أن أعلنت تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية “تقدم” حل نفسها.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن ظهور تحالف “صمود” جاء نتيجة خلاف كبير بين مجموعة داعية لتشكيل حكومة موازية وأخرى ممانعة من قوى “تقدم” انتهى بانقسام بين القوى والأحزاب المكونة لـ “تقدم”.
وخلال اجتماع الهيئة القيادية للتنسيقية “تقدم” برئاسة حمدوك في ديسمبر الماضي في عنتيبي الأوغندية برز خلاف إثر تبني فصائل الجبهة الثورية مقترحا بتشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة “الدعم السريع” هدفه انتزاع الشرعية عن الحكومة السودانية التي تتخذ من بورتسودان مقرا لها. وخلص هذا الخلاف لوجود موقفين استعصى الجمع بينهما، فتم إقرار فك الارتباط السياسي والتنظيمي بين الموقفين” وتم الإعلان في بيان رسمي عن تشكيل التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)”.
وتضم “صمود” 13 تنظيما سياسيا، أبرزها حزب الأمة القومي وحزب المؤتمر السوداني وحزب التجمع الاتحادي وحزب البعث القومي، والحركة الشعبية -التيار الثوري، و17 من المجموعات المهنية، و8 من المكونات الفئوية، و15 شخصية تمثل المجتمع المدني.
الخلفيات السياسية لتحالف “صمود”
وبحسب الباحث في الشأن السوداني إبراهيم نور الدين فإن تحالف “صمود” تم تشكيله برعاية وإشراف مباشر من الإمارات العربية المتحدة وفرنسا، ليكون بديل سياسي مقبول لـ “تقدم” في المستقبل السياسي السوداني. وأضاف نور الدين بأن لذلك عدة أسباب، أهمها، التهم الكثيرة التي لاحقت تنسيقية “تقدم” في الأشهر الماضية وانتشرت عبر وسائل الإعلام بتأييدها لقوات “الدعم السريع” والتحالف معها سراً، برعاية وإشراف إماراتي-فرنسي، مما يجعل مستقبلها السياسي مهدد بالخطر، وأيضاً بسبب الخسائر المتتالية التي تلقتها قوات “الدعم السريع” المدعومة من الإمارات والقوى الغربية، في الأيام الماضية خلال المواجهات مع قوات الجيش السوداني في العاصمة الخرطوم.
وبحسب الخبير نفسه، فإن ما يثبت ذلك هو رغبة بعض القوى السياسية في “تقدم” بتشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة “الدعم السريع” والذي يشير بوضوح إلى أن هناك قسم كبير من قوى ومكونات “تقدم” تدعم وتؤيد بشكل مباشر قوات “حميدتي” وتسعى لنزع الشرعية عن حكومة بورتسودان، وهذا ما يعزز الانقسام ويصعب الحل.
وتابع نور الدين، بأن المعطيات السياسية والعسكرية الأخيرة وسط تراجع كبير لقوات “الدعم السريع”، واتجاه الأمور نحو خسارتها للحرب بالتوازي مع التهم التي تلاحقها بارتكاب انتهاكات ضد الإنسانية، دفع بفرنسا والإمارات لإعطاء الأمر لحمدوك بالانشقاق عن “تقدم” وتشكيل تحالف جديد، في خطوة أشبه بالخيانة للقوى التي دعمته ووقفت بجانبه عند تشكيل تنسيقية “تقدم”.
وختم نور الدين بأن تصرف حمدوك والقوى المؤيدة له، يدل على تبعيتهم لأجندات غربية، وتبنيهم لمصالح قوى أجنبية وليس وطنية، وهذا يهدد بشكل واضح استقرار البلاد ويقضي على كل أمل بالوصول إلى حل سياسي وطني يحقق طموحات الشعب السوداني.
حمدوك عرّاب الانقسام
بدوره أكد الخبير في مركز دراسات الشرق الأدنى عمر السيد حسن بأن تحالف “صمود” يعتبر إحدى نتائج سياسية بث التفرقة وتعزيز الخلافات السياسية التي يعمل عليها حمدوك منذ بداية ظهوره في المشهد السياسي السوداني والتي أدت إلى الصراع الدامي المستمر منذ ما يقارب العامين.
ووفقاً لحسن، فإن حمدوك والقوى المؤيدة له، على الرغم من دعمهم لقوات “الدعم السريع” سراً، إلا أنهم لا يريدون منحها غطاء سياسيا بأوامر فرنسية- إماراتية. حيث أن الفصائل التي كانت جزءا من تنسيقية “تقدم” متماهية مع “الدعم السريع” وقادت التنسيقية لتوقيع اتفاق مع قائد القوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” في يناير 2024 لحماية المدنيين، بينما كانت قواته ترتكب جرائم وانتهاكات واسعة ضد المدنيين في ولاية الجزيرة وغيرها.
وبحسب الخبير ذاته، فإن حمدوك ومؤيديه الرافضين لتشكيل حكومة موازية لم يستطيعوا الاستمرار في دفع ثمن التماهي مع “الدعم السريع” “بعد تصاعد إدانة الدول والمنظمات لانتهاكات قواتها، خصوصا بعد تقرير تحالف “مجموعة الأسلحة الصغيرة” الذي حمّل الدعم السريع مسؤولية 77% من الانتهاكات التي وقعت في عام 2024 بالسودان.
وأشار حسن إلى أن “صمود” لا وزن سياسي لها، ولم تشهد توسعا في مكوناتها أو مبادئ جديدة، ولم يقدم برنامج أو رؤية لإنهاء الحرب، كما أن مواقفه، حسب بيانه، لا يعترف بالجيش وشرعية مؤسسات الدولة ويتعامل معهم كفصيل سياسي.
وبحسب خبراء، فإن تحالف “صمود” اختار وضع نفسه في المنطقة الآمنة انتظاراً لمبادرة سياسية من قائد الجيش أو من جهة ما، بدلا عن وضع نفسه في موقع ساخن واتخاذ موقف واضح، مثلما اختارت الفصائل التي تحالفت مع قوات “الدعم السريع”. وهذا يشير لوجود ارتباطات وأجندات خارجية لدى مكونات هذا التحالف.
السوداني
