الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيبدلا من تقسيم جديد للسودان!.. بقلم أمينة النقاش

بدلا من تقسيم جديد للسودان!.. بقلم أمينة النقاش

سودان تمورو:

لو أن استاذا فى العلوم السياسية أراد أن يبين لطلابه كيف نجحت الحركات الإسلامية التى تتصدرها وتقودها جماعة الإخوان المسلمين فى اسقاط الدولة الوطنية وتفتيتها أشلاء، لن يجد نموذجا مثاليا كيفما يجد فيما جرى فى السودان. ومنذ استقلال السودان قبل نحو سبعين عاما، فشلت الأحزاب الحاكمة ذات الأصول الدينية والطائفية، والنخب السياسية التى تحيط بها أو تتحرك خارجها، فى الاتفاق على رؤية موحدة لحكم رشيد لدولة حديثة، يتمكن من إدارة ثراء التنوع العرقى والثقافى والدينى والقبلى، فى بلد يشكل من حيث المساحة ثالث أكبر الدول الأفريقية، بعد الجزائر والكونغو الديمقراطية، فضلا عن أنه يعد من أغنى دول العالم بثرواته الطبيعية من البترول والغاز والذهب واليورانيوم والأراضى الخصبة الصالحة للزراعة وتربية المواشى، بجانب وفرة مياه الأنهار .

أكثر من ثلاثة عقود من صراع عبثى على تقاسم السلطة، بين طائفتى المهدية والختمية ذات الأصول الصوفية، وجناحيهما السياسى حزب الأمة، الذى نصب زعيمه الصادق المهدى إماما قبل رحيله، والحزب الاتحادى، ساهم فى إعاقة التطور السياسى الديموقراطى السلمى لدولة الاستقلال عن مصر وبريطانيا. وخلالها دخلت البلاد فى دائرة مفرغة، تبدأ بتشكيل حكومة من أحد الحزبيين الكبيرين، يتلوها انقلاب عسكرى، تطيح به انتفاضة شعبية، يقطف ثمارها تآلف نفس الحزبين المتصارعين على السلطة. وهكذا بقى الحال كماهو محلك سر:غياب الاستقرار السياسى والأمنى، وفشل طرق التنمية الاقتصادية المستقلة المعتمدة على الذات، وعلى الكفاءة فى إدارة ثروات الشعب السودانى، التى تم نهبها وتبديدها فى حرب جهادية بين الشمال والجنوب استمرت أكثر من نصف قرن، وعزز من نيرانها انتهاز جماعة الإخوان للصراع على السلطة بين حزبى الأمة والاتحادى لتقود انقلابيها، وتمكث بدورها ثلاثين عاما أخرى فى الحكم .

كان هذا هو المناخ الذى أنهك الحياة السياسية والحزبية، قد هيأ البلاد أمام جماعة الإخوان للاستيلاء على السلطة، لاسيما بعد رفض الحزبين معا إلغاء قوانين الشريعة الموروثة من نظام النميرى، التى تم استخدامها لإذلال الشعب السودانى، وقمع معارضى نظامه وإحكام السيطرة على مؤسسات الدولة. انقلاب الجماعة العسكرى استغل مناخ التعصب الطائفى، وزايد على الطائفتين معا، برفع راية التشدد والتطرف الدينى، وإدامة بقائها فى الحكم نحو ثلاثين عاما، قبل أن تجبرها التحركات الشعبية على التخلى عنه فى العام 2019. سقط البشير، وبقى نظامه مهيمنا على مؤسسات الدولة والمجتمع، ولذلك لم ينجح الحراك الشعبى فى بسط الأمن والاستقرار السياسى فى البلاد حتى هذه اللحظة .

فى ظل هذا التدهور، كان من المتوقع أن يصوت الجنوبيون بإجماع هائل على القبول فى عام 2011 بالانفصال، وتشكيل دولة لاتزال هشة فى الجنوب، تحفل بالصراعات القبلية وتسودها المجاعة، وتتصاعد بين مواطنيها هجرة معاكسة إلى الشمال، برغم الثروات البترولية الهائلة التى تحوزها. ولعل التصريح الشهير لحسن البشير المعبر بدقة عن موقف جماعة الإخوان المبدئى الرافض الاعتراف بالدولة الوطنية قبيل اجراء الاستفتاء على الانفصال، يكون بين الأدلة على تعجيل نظامه به، حينما قال إذا كان انفصال الجنوب عن الشمال ثمنا لرفضه تطبيق الشريعة، فليذهب الجنوب إلى الجحيم !

سقطت حكومة الإخوان فى السوادان لكن ظلهم السياسى والفكرى مازال يحكم الواقع السياسى و الاجتماعى، وما الحرب الأهلية الدائرة الآن بين قوات الجيش السودانى ومليشيات الدعم السريع، التى تدخل عامها الثانى إلا وجه واحد من أوجهها . وقبل أيام أعلنت الدعم السريع و23 حركة منشقة عن أحزابها وممثلة لعدد من القبائل المتواجدة فى المناطق التى تسيطر عليها فى غرب السودان، وذات صلات قوية بعدد من الدول الداعمة لها على المستويين الإقليمى العربى والدولى، أعلنوا عن توقيع ميثاق فى العاصمة الكينية نيروبى لتشكيل ما تسميه سلطة موازية للحكومة السودانية التى يقودها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش “عبد الفتاح البرهان ” .

هذا الإعلان سيرفع من وتيرة الحرب، وسوف يسهم فى زيادة المهجرين الذين تجاوز عددهم 12 مليون شخص، فضلا عن الخراب الذى لحق ببنى تحتية هشة فى الأصل وارتفاع أعداد القتلى والمصابين وحالات الاغتصاب التى وثقتها منظمات حقوقية دولية ضد قوات الدعم السريع .وقبل أن تعلن تلك القوات عن سلطتها الموازية الجديدة باستقلال اقليم دارفور الذى تسيطر عليه، وتشرع الأقاليم الأخرى الخارجة عن سلطة الجيش والدولة فى إعلان مماثل، فما المانع أن تشكل جامعة الدول العربية، ونحن على أبواب القمة القادمة، مجموعة عمل لمشاركة وفد التفاوض الذى يقوده الاتحاد الأفريقى، لحوار مع الدول العربية الداعمة لهذا التوجه لتفتيت السودان، من أجل وقف الحرب والتفاوض على برنامج نحو المستقبل تقبل به جميع الأطراف، قبل أن تنفلت الأمور بما يهدد الأمن الإقليمى والعربى بمزيد من المخاطر.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات