الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهل تملك واشنطن حقاً مفاتيح تجويع إيران؟.. بقلم أميمة صلاح

هل تملك واشنطن حقاً مفاتيح تجويع إيران؟.. بقلم أميمة صلاح

سودان تمورو

تتصاعد في الأروقة السياسية والإعلامية هذه الأيام أحاديث مكثفة حول سيناريو فرض حصار بحري شامل على إيران. الفكرة ببساطة تدور حول إغلاق المنافذ بالكامل؛ فلا سفينة تدخل ولا أخرى تخرج، بهدف تصفير صادرات النفط الإيرانية وخنق حركة استيراد السلع، وصولاً إلى دفع الاقتصاد نحو نقطة الانفجار الشامل. لكن، وبصفتي مراقباً عربياً يتابع تعقيدات المشهد الإقليمي، أجد لزاماً علينا تفكيك هذا الطرح بعيداً عن صخب الأمنيات والتهويل الإعلامي، وطرح تساؤل جوهري: هل الوضع الداخلي في إيران هش إلى هذا الحد أمام سيناريو الحصار؟

دعونا نفترض جدلاً أن الولايات المتحدة قادرة بالفعل على فرض هذا الطوق البحري، متجاهلين للحظة التعقيدات الفنية والعسكرية الهائلة، وما سيتبعه من تحليق لأسعار النفط العالمية إلى مستويات جنونية قد تحرق الاقتصادات الغربية قبل غيرها. هل سيعني ذلك دخول طهران في طريق مسدود؟ القراءة المتأنية للمعطيات الاقتصادية والجيوسياسية تشير إلى خلاف ذلك تماماً، وتحديداً في مسارين رئيسيين هما العوائد المالية، والأمن الغذائي.

فيما يخص شريان المال والنفط، والاعتقاد بأن خزائن طهران ستفرغ بين ليلة وضحاها، تشير الأرقام إلى أن هذا لن يحدث على المدى القصير، وتحديداً خلال الأشهر الثلاثة الأولى من أي حصار محتمل. يعود ذلك لسببين رئيسيين؛ أولهما المبيعات المكثفة التي قامت بها إيران مؤخراً، حيث ضاعفت مبيعاتها النفطية تقريباً خلال الأربعين يوماً الماضية وبأسعار مرتفعة، مما مكنها من تكديس احتياطيات مالية معتبرة. أما السبب الثاني والأكثر أهمية، فهو ما يعرف بـ “النفط العائم”. فبحسب تقارير وكالة رويترز، تمتلك إيران حالياً نحو 180 مليون برميل من النفط المخزن على متن ناقلات في المياه الدولية. هذا يعني أنه حتى لو توقفت موانئها عن تصدير قطرة نفط واحدة، فإن طهران تمتلك مبيعات جاهزة تكفي لثلاثة أشهر، قادرة على تسييلها فوراً لامتصاص الصدمة الأولى.

أما على جبهة السلع الأساسية والمخاوف من حدوث مجاعة أو نقص حاد، فإن المشهد يبدو أكثر تماسكاً. تشير التصريحات الرسمية الصادرة عن البرلمان الإيراني إلى وجود احتياطيات استراتيجية من السلع الأساسية تكفي لستة أشهر كاملة، مما يعني أن البلاد قادرة على الصمود لنصف عام دون الحاجة لإدخال شحنات جديدة.

وحتى لو افترضنا نجاح واشنطن في إغلاق الموانئ الجنوبية المطلة على الخليج ومياه المحيط، فإن هذه الموانئ، رغم أهميتها القصوى، ليست الرئة الوحيدة التي تتنفس منها إيران. الجغرافيا تمنح طهران بدائل برية وشمالية بالغة الأهمية قادرة على الالتفاف على أي طوق جنوبي. تبدأ هذه البدائل من الشرق عبر الممر السككي المباشر الذي يربط الصين وكازاخستان وتركمانستان بإيران، وتمر عبر باكستان حيث يمكن تفريغ البضائع في موانئ جوادر أو كراتشي ونقلها براً إلى الداخل الإيراني. وإلى الغرب، تظل البوابة التركية مفتوحة ومشرعة كطريق بري حيوي لا ينقطع.

ولعل الثغرة الأكبر في جدار الحصار الأمريكي المفترض تكمن في الشمال، حيث بحر قزوين. هناك، يمكن لروسيا والصين إيصال بضائعهما بكل سهولة إلى موانئ مثل “أنزلي” و”أمير آباد” الإيرانية، وهي منطقة بحرية مغلقة ومؤمنة بالكامل، وتقع تماماً خارج نطاق الوصول العسكري والنفوذ الأمريكي. في المحصلة، يبدو أن جغرافيا إيران الممتدة وشراكاتها الإقليمية تجعل من سياسة “الخنق البحري” مجرد ورقة ضغط سياسية أكثر من كونها سلاحاً فتاكاً قابلاً للتطبيق على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات