سودان تمورو:
مرّ عامان على الحرب التي أعادت السودان إلى مربع العذاب، حيث تُزهق الأرواح، وتُشرّد العائلات، وتُدفن الأحلام تحت ركام الخراب. ومع كل شروق شمس، يُطلّ السودان بوجهٍ منهك، يحمل جراح الماضي وأعباء الحاضر، بينما يبدو المستقبل غائماً في ظل عناد الأطراف وتصلّب المواقف.
لم تكن الحرب سوى آلةٌ وحشيةٌ ابتلعت الأخضر واليابس، فخلفت وراءها أرقاماً صمّاء تترجم إلى مآسٍ إنسانية.. آلاف القتلى، وملايين النازحين، واقتصادٌ مُنهك، وبنيةٌ تحتيةٌ تحوّلت إلى أطلال. العائلات التي تفرّقت لم تعد تجد سوى الدموع لغةً للتواصل، والأطفال الذين فقدوا مدارسهم صاروا يعرفون صوت الرصاص قبل حروف الهجاء. ومع ذلك، يبدو أن دماء السودانيين ما زالت أرخص من أن توقف آلة الحرب التي لا تعرف سوى لغة الغلبة.
في قلب هذه الكارثة، تتصاعد مفارقةٌ مأساوية.. فبينما يُذكّر العالم الأطراف المتحاربة بأن “لا غالب ولا مغلوب”، نجد كل طرفٍ يرفع شعار “لا تنازل ولا تسوية”. فالقوى المتحاربة، سواءً كانت عسكريةً أو مدنية، تتعامل مع السودان كغنيمةٍ يجب اقتسامها، لا كوطنٍ يستحق التضحية من أجله. الاتفاقات تُعلّق على شمّاعة المصلحة الضيقة، والمبادرات الدولية تُختزل إلى مجرد حبرٍ على ورق.
الحديث عن سلامٍ دائمٍ في السودان اليوم أشبه بالحديث عن سرابٍ في صحراء قاحلة. فغياب الإرادة السياسية الحقيقية، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، جعلا السلام ضحيةً جديدةً لهذا الصراع. لكن التاريخ يُعلّمنا أن الحروب لا تنتهي بانتصار طرفٍ، بل بانتصار الحكمة. فهل يُدرك الساسة أن التنازل اليوم ليس ضعفاً، بل هو خطوةٌ لإنقاذ ما تبقّى من الوطن؟ .
رغم كل هذا الظلام، يبقى السودان أرضاً تُنبِت الأمل بين أنقاض اليأس. فالشعب السوداني، الذي صنع ثورته بدماء الشباب، قادرٌ على أن يكتب مصيره مرةً أخرى. لكن ذلك يحتاج إلى صحوة ضميرٍ من الأطراف المتحاربة، وإلى ضغطٍ دوليٍ حقيقيٍ يضع مصلحة الشعب فوق كل الاعتبارات. فالسودان ليس ساحةً للمناورات، بل هو وطنٌ يستحق أن يعيش.
السودان أكبر من أن يُترك رهينةً لصراعٍ لا ينتهي إلا بالرحيل أو الفناء.
