السبت, مايو 9, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالوثيقة الدستورية.. بين الإلغاء العملي والتحايل الشكلي

الوثيقة الدستورية.. بين الإلغاء العملي والتحايل الشكلي

سودان تمورو:

في خضم الجدل الدستوري المحتدم في السودان، أطلق رئيس تحرير صحيفة “المجهر السياسي”، الهندي عز الدين، اتهامًا صريحًا لرئيس مجلس السيادة بـ”التحايل على الدستور” من خلال قراراتٍ وصفها بغير الشرعية، داعيًا إياه للالتزام بالوثيقة الدستورية. لكن هذا التصريح يثير تساؤلًا جوهريًا: أي وثيقة دستورية يُقصد؟ وأي التزام يُطلب في ظل واقعٍ سياسي انهار فيه العقد الاجتماعي منذ ٢٥ أكتوبر، حينما أقدم الفريق أول البرهان على حل حكومة حمدوك وزجّ بوزرائها في السجون؟.

إن الوثيقة الدستورية لعام ٢٠١٩ فقدت جوهرها القانوني منذ لحظة انهيار التوافق الذي بُنيت عليه. فالعقد الدستوري ليس مجرد نصوصٍ جامدة، بل هو تعبيرٌ حي عن إرادة الأطراف الموقعة عليه. وعندما أطاح البرهان بحكومة الشراكة، كان ذلك بمثابة تمزيقٍ صامتٍ للوثيقة، التي استندت إلى ثنائية السلطة بين العسكريين والمدنيين. ومع غياب أحد طرفي المعادلة، تحوّلت الوثيقة إلى نصٍ فارغٍ من مضمونه. المفارقة تكمن في إصرار البرهان على إجراء تعديلاتٍ ترقيعية على وثيقةٍ باتت ميتةً سريريًا، بدلًا من السعي لتأسيس عقدٍ جديدٍ يعكس موازين القوى الراهنة ويضع رؤية واضحة بلا مواربة.

الأخطر من إلغاء الوثيقة هو التعامل معها كأداةٍ شكلية قابلةٍ للتطويع وفق المصالح. فالبرهان، رغم رفضه تمزيقها رسميًا، يستغلها كغطاءٍ زائفٍ للشرعية، بينما يُفرغها من محتواها عبر تعديلاتٍ انتقائية. هذا النهج يُنتج نظامًا هجينًا.. ديمقراطيًا في الشكل، استبداديًا في الجوهر. فكيف يُمكن لمجلس وزراءٍ صوري أن يعترض على قرارات البرهان، وهو في الأصل نتاج وثيقةٍ فقدت شرعيتها؟.

كان الأجدر بالبرهان أن يقطع الصلة بوثيقة ٢٠١٩ ويطرح عقدًا جديدًا يُعبّر عن متطلبات المرحلة بوضوحٍ وشفافية. لكن التردد في اتخاذ هذه الخطوة يعكس إما خشيةً من رفضٍ داخلي أو دولي، أو رغبةً في استمرار لعبة “الدستور المرن” الذي يُشكّله كما يُشكّل الصلصال. وفي ظل هذا الفراغ الدستوري، يدفع الشعب السوداني – المُثقل بالأزمات – ثمنًا باهظًا، حيث تتحوّل الحياة السياسية إلى مسرحٍ للقرارات المتناقضة.

القضية تتجاوز النصوص القانونية لتصل إلى جوهر الشرعية، التي تُقاس بمدى تمثيلها لإرادة الشعب. وإذا كان السودان يتجه نحو استحقاقاتٍ سياسيةٍ جديدة، فلا بد أن يكون البناء على أسسٍ صلبة، لا على رمال وثيقةٍ انتهت صلاحيتها عمليًا وفلسفيًا. أما الإصرار على تحنيطها عبر التعديلات، فهو لا يُعيد لها الحياة، بل يُحوّلها إلى جثةٍ دستوريةٍ تتقاذفها النخب في ساحات الخطابات، بينما تُدار معارك المصالح على حساب المبادئ.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات