سودان تمورو:
يتجه الصراع بين السودان وإثيوبيا إلى مربع متقدم بعد اتهام الخرطوم أديس أبابا بجعل أراضيها قواعد للطائرات المسيّرة التابعة لقوات الدعم السريع، والتي تخوض حرباً مع الجيش السوداني منذ أكثر من ثلاث سنوات، ورد أديس أبابا من جانبها باتهامات مضادة للخرطوم بدعم جبهة تحرير شعب تيغراي (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) المعارضة للحكومة الإثيوبية.
يأتي ذلك وسط تحذيرات بتفجر الأوضاع على الحدود بين السودان وإثيوبيا وتطورها إلى صدام عسكري، خصوصاً بعد استدعاء الخرطوم سفيرها لدى أديس أبابا، الزين إبراهيم حسين، وتهديدها على لسان وزير الخارجية، محيى الدين سالم، في مؤتمر صحافي الثلاثاء الماضي، برد “الصاع صاعين”. من جهة أخرى برزت تحركات واستعدادات عسكرية خلال اليومين الماضيين في الولايات الشرقية السودانية المتاخمة للحدود مع إثيوبيا، ما ينذر وفق مراقبين، بتطورات في المنطقة حال فشل الحلول الدبلوماسية في تهدئة التوتر المتصاعد بين السودان وإثيوبيا.
أما على صعيد الحرب الدائرة في السودان، فقد برز أمس الخميس، إعلان قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) أن “قواته مستعدة لمواصلة القتال حتى عام 2040 إذا استدعت الظروف ذلك”. وذكر موقع صحيفة الراكوبة السوداني، أمس، أن حميدتي أضاف في خطاب أول من أمس الأربعاء أمام قواته، أن “تقديرات الجيش تشير إلى احتمال استمرارها حتى عام 2033″، مؤكداً تمسكه بمواصلة العمليات العسكرية ضد الجيش السوداني. كما حمّل “قيادة القوات المسلحة المسؤولية عن استمرار الصراع ورفض الانخراط في مساعي السلام”، مؤكداً أن قواته أبدت رغبة مستمرة في إنهاء النزاع، و”نحن الدعم السريع نسعى لوقف الحرب الليلة قبل غد، لكن هل تقف الحرب من طرف واحد؟”. وشدد على أن إنهاء النزاع يتطلب التزاماً من جميع الأطراف. وقال إن قواته تسعى إلى “حل جذري” يضمن عدم تكرار النزاعات مستقبلاً”، مشدداً على رفضه العودة إلى الأوضاع التي سبقت الحرب.
تفجر الخلافات بين السودان وإثيوبيا
وكانت الهجمات التي شنّتها قوات الدعم السريع بالطائرات المسيّرة على الخرطوم، يوم الاثنين الماضي، كفيلة بإعادة تفجير الخلافات بين الحكومتين السودانية والإثيوبية، ويؤكد ذلك إعلان وزير الخارجية السوداني في اليوم نفسه، أن الطائرات المسيّرة الاستراتيجية التابعة للدعم السريع، انطلقت من مطار بحر دار الإثيوبي بتمويل من الإمارات. ووفق الحكومة السودانية، فإن الهجمات بالمسيّرات استهدفت مطار الخرطوم أخيراً، بجانب مواقع في أوقات سابقة داخل ولايات النيل الأبيض، النيل الأزرق (جنوب شرقي البلاد التي أعلنت الدعم السريع أواخر الشهر الماضي شن هجمات منسقة عليها من عدة محاور) وشمال كردفان وجنوب كردفان، إضافة لمهاجمة القوات السودانية في مدينة الكرمك الحدودية بين السودان وإثيوبيا خلال المعارك الأخيرة في المدينة، والتي سقطت بيد الدعم السريع في 24 مارس/ آذار الماضي.
بالمقابل نفت وزارة الخارجية الإثيوبية، في بيان الثلاثاء الماضي، هذه الاتهامات، متهمة بدورها الجيش السوداني بالتورط مع “مرتزقة جبهة تحرير شعب تيغراي” في النزاع الدائر، وتقديم أسلحة ودعم مالي لها، مما سهل توغلاتها على طول حدوده إثيوبيا الغربية. واعتبرت أن نشاط مقاتلي جبهة تيغراي في السودان “أمرٌ موثقٌ للعموم”، ولدى الحكومة أدلة موثوقة تشير إلى أن السودان أصبح قاعدةً للقوى المعادية لإثيوبيا التي تعمل ضدها.
من جهتها أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي، في بيان، أول من أمس الأربعاء، رفضها اتهامات الخارجية الإثيوبية لها بالتعاون مع حكومة السودان لزعزعة استقرار المنطقة، مضيفة أن هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة، وغير مسؤولة، وتدل على نمط متكرر من التضليل من خلال المعلومات المضللة. وأكدت أنه في وقت تتطلب المنطقة ضبط النفس والمشاركة البناءة، فإن مثل هذه الادعاءات لا تخدم سوى تأجيج التوترات وحجب الحاجة المُلحة للمساءلة وجهود السلام الحقيقية. وشددت على أنها لم تشارك في أي أنشطة تقوض الاستقرار الإقليمي، ولم تدعمها، محذرة من أن “الخطاب التصعيدي والتدخلات الخارجية والتحالفات الانتهازية” مع أجندات إقليمية متنافسة تعكس حسابات قصيرة النظر تُهدد السلام طويل الأمد، ولا تُؤدي هذه الإجراءات إلى توتر العلاقات مع الدول المجاورة فحسب، بل تُهدد أيضاً بترسيخ إثيوبيا في صراعات لا تخدم مصالح شعبها.
استعدادات عسكرية على الحدود
دفعت هذه التوترات بين السودان وإثيوبيا إلى استعدادات عسكرية للجيش السوداني والقوات المساندة له في الولايات الشرقية، إذ تتشارك ثلاث ولايات سودانية هي كسلا والقضارف وسنار والنيل الأزرق الحدود مع إثيوبيا، والتي تمتد على مسافة تقدر بحوالي من 769 كيلومتراً تقريباً. وفي هذا الإطار أعلنت الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش السوداني في مدينة الدمازين بإقليم النيل الأزرق، جاهزية قواتها لأي تهديدات محتملة. وقالت في بيان ليل الأربعاء- الخميس، إنها في أتم الجاهزية المتكاملة واليقظة الدائمة والقدرة على التعامل مع مختلف التحديات في حدود المسؤولية، مضيفة أن القوات على الأرض تعمل بعزيمة قوية وتواصل واجبها في تأمين المنطقة وحماية المواطنين والتصدي لأي “تهديد محتمل”.
وكانت قيادة الفرقة الثانية مشاة التابعة للجيش في ولاية القضارف، قد أعلنت في بيان الثلاثاء الماضي، أن قائد الفرقة اللواء يوسف محمد أحمد، نفذ سلسلة من الزيارات الميدانية التفقدية شملت قاعدة القريشة العملياتية، وقطاع “تبارك الله”، وقاعدة دوكة العملياتية (جميعها قريبة من حدود إثيوبيا). وأضافت أن الزيارة جاءت للوقوف على الروح المعنوية العالية للجنود في المواقع المتقدمة، لافتة إلى أن قائد الفرقة أكد الجاهزية القتالية واليقظة التامة للقوات في هذه القطاعات الحيوية، وأعلن أن الفرقة الثانية ستظل هي الدرع الواقي والضربة الموجعة لكل من “يتربص بأمن الوطن”.
وضمن هذه الاستعدادات على الحدود بين السودان وإثيوبيا كانت قوات الأورطة الشرقية (حركة مسلحة) المساندة للجيش السوداني، قد أعلنت في بيان الثلاثاء الماضي، رفع درجة الاستعداد والجاهزية القصوى في جميع وحداتها ومواقع انتشارها، مع وقف الإجازات والتحركات غير الضرورية، وإعادة التموضع وفق متطلبات الموقف العملياتي. وأكدت القوات -المتمركزة بشرق السودان- رفضها أي تدخلات خارجية في الشأن الداخلي السوداني تحت أي ذريعة كانت. وقالت إنه في ظل التطورات الأمنية والعسكرية المتسارعة، وما يشهده الإقليم الشرقي من تهديدات محتملة تشمل استخدام الطائرات المسيّرة واستهداف بعض المواقع من خارج الحدود، تؤكد أنها تتابع الموقف الميداني بدقة عالية، وتضع كافة السيناريوهات المحتملة قيد التقييم المستمر. وأعلنت التزامها بالعمل تحت قيادة الجيش السوداني، والتعامل بحزم مع أي تهديد يمس أمن السودان أو استقراره، وأنها “في أعلى درجات الجاهزية لتنفيذ المهام الموكلة إليها في أي وقت”.
تهديد الأمن القومي
في هذا الصدد قال أستاذ العلوم السياسية في السودان، النذير محمد التوم، لـ”العربي الجديد”، إن “الشاهد في التصعيد الأخير هو خروجه عن سياقه التقليدي (قضايا الحدود، التداخل السكاني، وتنافس المياه) الذي ظل غير محسوم سياسياً أو قانونياً لينتقل إلى مربع التصعيد الجيو-سياسي والإقليمي”. ولفت إلى أن أنه مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، واستمرار الأزمة الإثيوبية (صراع أمهرا وتيغراي ضد الحكومة المركزية) لعامها السادس، “نجد أنفسنا أمام واقع يهدد الأمن القومي للبلدين والأمن الإقليمي برمته”، معتبراً أن استدعاء الحكومة السودانية ممثلها الدبلوماسي في أديس أبابا، “رغم تكراره بوصفه ظاهرة احتجاجية، يأتي هذه المرة في سياق مغاير، إذ يتزامن مع معارك عسكرية طاحنة داخل السودان واتهامات مباشرة ومتبادلة بالدعم اللوجستي والبشري، وزعم كل طرف بأن الآخر بات مركزاً للقوى المعادية له”.
النذير محمد التوم: تظل الخطورة في تحوّل الحدود الممتدة إلى ساحة حروب بالوكالة
وأشار التوم إلى أنه بغض النظر عن دقة هذه المزاعم، تظل الخطورة كامنة في تحوّل الحدود الممتدة إلى ساحة “حروب بالوكالة”، ما يفتح الباب أمام “تمكين المليشيات والمليشيات المضادة، ودعم الجيوب المعارضة للسلطة المركزية في الجانبين”. كما اعتبر أن “هذا التصعيد يُغري الأطراف العسكرية باستغلال الفرص، حيث قد تسعى مليشيات الشفتا (الإثيوبية التي تنشط على الحدود مع السودان) وقوات أمهرا لفرض واقع جديد في منطقتي الفشقة الكبرى والصغرى -بولاية القضارف- مستغلة انشغال الجيش السوداني”. وحذر التوم من أن استمرار التصعيد أو قطع العلاقات “سيؤدي إلى مضاعفة الاستقطاب الإقليمي، لاسيما في ظل التوتر القائم بين إثيوبيا وإريتريا، ما قد يحوّل شرق السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، خصوصاً مع ضعف الدولة السودانية الحالي وعدم قدرتها على تحمل جبهة قتال أخرى أو تأمين كامل سيادتها”. ورأى أن “هذا التوتر يلقي بظلال سالبة (سلبية) على مستقبل المفاوضات النهائية بشأن سد النهضة”.
وذكر التوم أن التقارير الميدانية والاتهامات السودانية بشأن استخدام مطار بحر دار قاعدةً للمسيّرات التي استهدفت الخرطوم، تشير إلى لجوء أديس أبابا لاستراتيجية “الهروب إلى الأمام”، موضحاً أن الحكومة الإثيوبية التي تواجه تمرداً في إقليم أمهرا (مليشيات فانو)، قد تحاول جعل السودان ساحة لتأمين داخلها عبر “مقايضة النفوذ”، أي دعم العمل المسلح في السودان مقابل ضمان عدم دعم الأخير لمليشيات “فانو” أو “تيغراي”. بالإضافة إلى ذلك، تبرز، وفق التوم، الفشقة “كارت (ورقة) رابحاً لإرضاء الرأي العام الإثيوبي (أمهرا تحديداً)، بينما قد تدفع الضغوط الاقتصادية والسياسية إثيوبيا لتقديم دعم لوجستي لأحد أطراف الصراع السوداني مقابل تخفيف تلك الضغوط”.
واعتبر النذير محمد التوم أن التصعيد الحالي “قد تجاوز مرحلة المناوشات الحدودية التقليدية ليصبح تهديداً بصدام مباشر (عسكري، ودبلوماسي، وقانوني)، كما أن استمرار الحرب في السودان والاضطرابات في إثيوبيا يمنح الأطراف خيارات صفرية للعمل ضد الآخر”. ويأتي ذلك وفق التوم “في ظل حالة من فقدان التوازن الداخلي التي جعلت الدولتين عرضة للاستخدام بمثابة وكلاء لتصفية معارك قوى إقليمية ودولية، خصوصاً في سياق الصراع على نفوذ البحر الأحمر والموانئ”، مضيفاً أن “التدخل الإثيوبي إن ثبت، ينبع من ضعف داخلي ومحاولة بائسة لتأمين الحدود وإرضاء الحلفاء”. وفي رأيه “يبقى المخرج الوحيد هو تحقيق السلام في السودان ومعالجة القضايا الخلافية مع الجوار بالأدوات السياسية والقانونية، إذ إن المضي في المواجهة المباشرة يعني بالضرورة تحول السودان إلى ساحة خلفية للصراعات العرقية والأطماع الإقليمية المتنامية”.
حسن إبراهيم: إقليم النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا يشهد نشاطاً مستمرا لقوات الدعم السريع
بدوره استبعد الضابط المتقاعد حسن إبراهيم، في حديث لـ”العربي الجديد”، وقوع تصادم مباشر بين الجيشين السوداني والإثيوبي على الحدود، عازياً ذلك إلى أن السودان وإثيوبيا “يخوضان صراعات داخلية وليس من مصلحتهما أو مقدورهما فتح جبهة جديدة في مناطق صعبة مثل الولايات الشرقية السودانية والغربية من جانب إثيوبيا”. وتوقّع أن ينحصر الصراع في الوقت الحالي في دعم متبادل للمليشيات وتكثيف المناوشات الحدودية، خصوصاً أن “إقليم النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا يشهد نشاطاً مستمراً لقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، والتي سيطرت أخيراً على مدينة الكرمك القريبة جداً من الحدود الإثيوبية”. يعني ذلك وفق إبراهيم، أنها “فتحت طريقاً مباشراً يمكنها من استخدام الأراضي الإثيوبية لشن هجمات بالطائرات المسيّرة كما حدث أخيراً”، مشيراً إلى أن “مليشيات إثيوبية مثل جبهة تيغراي لديها علاقات أصلاً مع الحكومة السودانية”. ولفت في الوقت نفسه إلى أن “المعارك بالوكالة متوقعة وربما تتصاعد في الأيام المقبلة خصوصاً بإقليم النيل الأزرق”.
العربي الجديد
