السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالفاشر تقاتل ونهاية المعركة ترسم خريطة سياسية جديدة

الفاشر تقاتل ونهاية المعركة ترسم خريطة سياسية جديدة

سودان تمورو:

متغيرات ميدانية كبيرة طرأت على مسارح القتال في حرب السودان التي دخلت عامها الثالث، فبعد أن أحرز الجيش تقدما واسعا وسط البلاد واستعاد العاصمة الخرطوم، تحولت الأنظار صوب مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور التي ظلت تدافع باستماتة منذ شهور في مواجهة هجمات الدعم السريع المتكررة والتي زادت وتيرتها الأيام الماضية بسبب رغبة قوات حميدتي الشديدة على إحكام السيطرة عليها باعتبارها آخر المدن الاستراتيجية في قبضة الجيش بالإقليم الغربي ومن ثم إعلان حكومتها الموازية.

ومع اندلاع النزاع المسلح في السودان منتصف نيسان/ابريل عام 2023 شهدت الفاشر اشتباكات متقطعة بين الجيش والدعم السريع لكن تصاعدت المواجهات الشرسة منذ الثاني من آيار/مايو 2024 بعد أعلنت الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية سلام جوبا الخروج من مربع الحياد والقتال إلى جانب الجيش وبررت ذلك بارتكاب قوات حميدتي جرائم واسعة في حق المدنيين الأبرياء.

ويقول مراقبون، إن معركة الفاشر من أكثر المعارك المفصلية التي من شأنها إعادة ترسيم المشهد السياسي والعسكري للبلاد لسنوات قادمة، بناءً على نتيجتها النهائية، وفي هذا الإطار تسعى الأطراف المتنازعة في حشد المقاتلين في ظل خطاب سياسي متصاعد محمل بالجوانب العسكرية والاجتماعية والتاريخية.

وإلى جانب الجيش تقاتل القوة المشتركة للحركات المسلحة وقوات المقاومة الشعبية والمستنفرين وبقية القوات النظامية الأخرى، بينما تصطف خلف الدعم السريع ميليشيات من القبائل العربية وقوات تحالف تأسيس بقيادة الطاهر حجر والهادي إدريس.

ويستخدم الجيش والقوات المتحالفة معه خططا دفاعية من أجل حماية المدينة مع القيام بأعمال عدائية محدودة بغرض استنزاف العدو وقطع خطوط إمداده في محور الصحراء، بينما تنقسم استراتيجيات الدعم السريع إلى مستويين الأول يتعلق بفرض الحصار المحكم على المدينة ومناورة قوات الجيش والمشتركة وشن هجمات متلاحقة بهدف إنهاك وتليين الدفاعات، والمستوى الثاني عن طريق القصف المتواصل بالمدفعية والطائرات المسيرة على المواقع العسكرية والخدمية والأحياء السكنية بغرض إفراغ المدينة من السكان والمقاومين.

تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر، بالمقابل حشد الدعم السريع مزيدا من قواتها بعد اجتياحها مخيم زمزم للنازحين -15 كلم جنوب الفاشر – بقيادة قائد ثاني الدعم السريع عبدالرحيم دقلو الذي أكد في تصريحات جديدة أن معركة الفاشر هي بداية النهاية لما أسماها بـ«دولة 1956».

معسكر زمزم

والأسبوع الماضي، استباحت الدعم السريع معسكر زمزم للنازحين ما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات ونزوح آلاف الأسر، وحسب مراقبين سيطرة قوات حميدتي على المخيم تأتي في سياق تضييق الخناق على الفاشر، وسبق ذلك أيضا سيطرتها على بلدات أم كدادة من الناحية الشرقية ومليط والمالحة من الناحية الشمالية.

وشهدت الفاشر معارك ضارية الأربعاء، وأعلنت قيادة الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش، أنها صدت هجوما شرسا للدعم السريع على جنوب شرق وشمال شرق مدينة الفاشر وكبدتها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.

وكشفت الفرقة في منشور على فيسبوك، عن مقتل 70 عنصراً من الدعم السريع، وتدمير 15 مركبة قتالية وشاحنتي وقود، إلى جانب تدمير شاحنة محملة بالمستنفرين، معلنة في الوقت نفسه مصرع عدد من المدنيين جراء القصف المدفعي المتقطع للدعم السريع على المدينة.

في الأثناء، قال شهود عيان لـ«القدس العربي»، إن الدعم السريع استهدفت في نفس اليوم سوق المواشي بالفاشر عبر القصف المدفعي ومسيرات انتحارية مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 7 أشخاص وإصابة آخرين.

وفي سياق متصل، أدان مجلس الأمن الدولي «بشدة» هجمات الدعم السريع «المتكررة» على مدينة الفاشر ومخيمي زمزم وأبو شوك للنازحين بدارفور. وأعرب المجلس عن قلقه من التقارير التي تفيد بمقتل نحو 400 مدني، بينهم أطفال و11 عامل إغاثة، في هجمات للدعم السريع بالمنطقة.

كما دعا إلى محاسبة هذه القوات «وجميع مرتكبي الهجمات على المدنيين» في السودان، داعيا أطراف النزاع في السودان السعي إلى وقف فوري للأعمال العدائية وتسهيل وصول المساعدات بشكل آمن لجميع المناطق.

وإلى جانب ذلك، طالب أعضاء مجلس الأمن مساءلة قوات الدعم السريع على هذه الهجمات. وأشاروا إلى قرار المجلس رقم 2736 الصادر عام 2024، مجددين التأكيد على مطالبتهم بإنهاء قوات الدعم السريع لحصار الفاشر ودعوتهم إلى الوقف الفوري للقتال وإلى تهدئة التصعيد في الفاشر وما حولها.

وقال الناطق الرسمي باسم القوة المشتركة للحركات المسلحة، الرائد أحمد حسين لـ«القدس العربي»، إن مدينة الفاشر تشهد فقط تدوينا مدفعيا من قبل ميليشيات الدعم السريع خارج المدينة، مشيراً إلى أنهم استطاعوا كسر شوكة الدعم السريع والقضاء على قوتها الصلبة ما دفعها للجوء إلى أساليب العاجزين والتدوين المدفعي على الأحياء السكنية ومعسكرات النازحين.

وأضاف: «الميليشيا لم ولن تستطيع إسقاط مدينة الفاشر وحاولت من قبل بأكثر من مئتي هجوم وتم هزيمتها ونحن الآن في جاهزية تامة من أي وقت مضى وقريباً سوف يتم تنظيف المدينة وتكون نقطة إنطلاقة لنظافة بقية مدن إقليم دارفور والمدن السودانية الأخرى».

ووصف حسين، تصريحات عبدالرحيم دقلو الأخيرة بشأن معركة الفاشر ونهاية دولة 1956 بالحديث الاستهلاكي والتضليل الإعلامي وذلك بغرض حشد المستنفرين، لافتاً إلى أن دقلو أتى من قبل وأشرف على مجموعة من الهجمات على مدينة الفاشر وعاد وهو يجرجر أذيال الهزيمة. وتابع قائلاً: «إذا هاجم المدينة مرة أخرى أما سيتم القضاء عليه أو قبضه وتسليمه إلى القضاء السوداني».

وأردف: «شعارات مثل دولة 56 لا تنطلي على أحد وقبل أيام قليلة وبإشرافه اقتحم معسكر زمزم للنازحين وارتكب إبادة جماعية وجرائم خطيرة بحق الأبرياء ومنهم من لا يعرفون من يحكم السودان الآن».

جرائم على أساس العرق

ورأى المحلل السياسي محمد عبيد، أن معركة الفاشر مصيرية بالنسبة للجيش والمشتركة والمقاومين من سكان المدينة وذلك لأنهم يدركون أن الدعم السريع حين يدخل منطقة يرتكب إبادة جماعية وجرائم على أساس العرق بالتالي سيكون الدفاع عن المدينة حتى آخر طلقة.

وأشار إلى أن الدعم السريع ما زال حول الفاشر واقتحامها لمخيم للنازحين هو استباحة لمجمع سكني وليس عسكريا لافتاً إلى أن ما دار من قتال هو من قبل نازحين مدافعين عن أنفسهم وبأسلحة خفيفة وليس معركة جيش بأسلحته ومدفعيته المعروفة.

يقول عبيد، إن حرب السودان اندلع بإرادة خارجية من قوى إقليمية، وجزء من هذه القوى ترى أن هزيمة الدعم السريع أصبحت مسألة وقت وبالتالي تسعى إلى تأجيج الصراع في الفاشر بهدف الوصول إلى تسوية سريعة.

ونوه إلى أن الدعم السريع دخلت مأزقا عسكريا في ظل عدم وجود طرح سياسي متماسك ولا سقف أخلاقي يضبط تصرفات جنودها.

المحلل والمختص في التحليل العسكري حسام الدين ذو النون، قال لـ«القدس العربي»، إن الإستراتيجية والخطط العسكرية التكتيكية التي اتبعها الجيش وقادته والتزامهم الصارم بها كان له أثر بالغ في تحقيق النجاحات العسكرية التي نشهدها اليوم بوسط السودان، مبيناً أن هذا الالتزام الصارم والجاد على الرغم من الثمن الفادح الذي دفعه السودانيون خلال العامين من بدء حرب الاستعمار والاستيطان المزدوج، إلا أنه بالمقابل يمكن اعتباره فداء للحفاظ على الدولة السودانية وبقاءها.

وأوضح أن هناك انهيارا في منظومة القيادة والسيطرة بالنسبة للدعم السريع، وأنه خلال الستة أشهر الماضية حدث تغيير كلي في موازين المعركة وتغييرات إستراتيجية لها لما بعدها أجبرت الكثير من الدول والمنظمات على تغيير مواقفها، وقال إن هذه المتغيرات التي لم يتحسب لها الكثير من داعمي الدعم السريع وحلفائها، مقرونة بالتطورات القانونية بمحكمة العدل الدولية فيما يختص بشكوى السودان ضد الإمارات، كانا عامل ضغط كبير عليها لتحريك جميع عملائها وأدواتها لإحداث قدر من التوازن الذي يجبر الحكومة السودانية للجلوس على طاولة المفاوضات ليس بغرض إنقاذ الدعم السريع وإكمال مشروعهم وإنما بغرض الوصول إلى حل توافقي يعوض الإمارات بعضا من خسائرها المالية والسياسية المهولة، ويبعد عنها شبح الإدانات القانونية والتبعات المتوقعة في حال إدانتها، التي سوف تكلفها أضعاف ما أنفقته في دعم قوات حميدتي، ويفتح باباً لدول أخرى تضررت من المغامرات الإماراتية.

وقلل ذو النون من تأثير التجهيزات والإعداد الذي وضعته الدعم السريع لمعركة الفاشر، وقال إنها فشلت خلال عامين من عمر الحرب في السيطرة على المدينة وعبر 203 هجوم لم تلن فيه عزيمة القوات المدافعة عنها أو تضعف إرادتهم. وأرجع ذلك لعدد من العوامل منها ما هو متعلق بمعرفة تلك القوات بأن ما يجري بالفاشر هي حرب مصيرية لا خيارات وسطى فيها، فهو صراع بقاء وفناء لا أكثر أو أقل، بالإضافة أن التقدمات العسكرية والنجاحات المطردة تجعل القيادة العسكرية بمدينة الفاشر على يقين بأن الأمر يتوقف على عامل الزمن فقط لهزيمة الدعم السريع وكسر شوكتها بمدينة الفاشر وبقية ولايات دارفور.

ولفت أن العمليات العسكرية التي تدور الآن بولايات كردفان الثلاث ما هي إلا الخطوة قبل الأخيرة لإزالة الجيوب للتقدم لدارفور من كل الاتجاهات. وقال ذو النون: «مهما ارتكبت الدعم السريع وداعموها من جرائم حرب وإبادة في محيط مدينة الفاشر، فمن الصعوبة بمكان تحقيقها لأي انتصار عسكري مؤثر».

وأكد المحلل العسكري، أن معركة مدينة الفاشر هي أهم معركة يمكن أن تخوضها الدولة السودانية في تاريخها القديم والحديث، فهي معركة يمكن وصفها بأنها معركة أن يكون أو لا يكون هناك سودان بعدها، مبيناً أن انتصار القوات السودانية بمختلف مسمياتها وهياكلها هو السبيل الوحيد للحفاظ على الدولة السودانية وإنسانها، وعدا ذلك فإختفاءه من خريطة الجغرافية والحديث عنها كأمة من الأمم السابقة أمر لا جدال فيه.

ووفقاً لمراقبين ووسائل إعلام محلية، امتلكت الدعم السريع خلال الأشهر القليلة الماضية منظومة دفاع جوية حديثة استخدمتها في حماية مطار نيالا بولاية جنوب دارفور وتجمعات قواتها في الفاشر واستطاعت هذه المنظومات إسقاط طائرة طراز انتنوف تابعة للجيش قبل نحو أسبوعين من سماء الفاشر.

وإلى ذلك، قال ذو النون، إن المعركة القادمة ليست معركة تكسير القدرات العسكرية وإضعاف الميليشيا أو تعطيلها، بل هي معركة تهدف للقضاء على الدعم السريع وهزيمتها بصورة كاملة، وهو أمر لا يتحقق عبر السيادة الجوية فقط، ولكن عبر تكامل الأدوار بين مختلف الوحدات العسكرية وتكاملها بين سادة المعارك وهي قوات المشاة وسادة الأجواء، وهو أمر يجعل من منظومة الدفاع الجوي التي استجلبتها بلا قيمة أو فائدة إستراتيجية لها.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات