سودان تمورو:
أتَّفِقُ مع كل ما قاله الرجل القامة والروائي المدهش والراحل المقيم الطيب صالح -طيب الله ثراه- وهو يتحدث عن قطر وأهلها «إننا عشنا زمنًا رغدًا في هذه البلاد ولم نشعر أبدًا أننا غرباء أو دخلاء» … هذا القول لم ينبع من فراغ ولم يكن لدغدغة العواطف، وإنما كان شعورًا صادقًا نابعًا من القلب بعد معايشة واحتكاك مع الناس كبيرهم وصغيرهم وغنيهم وفقيرهم … وهم مثل كل شعوب الأرض ولكن هناك ما يميزهم عن غيرهم من الناس حيث الطيبة والسماحة تغلبان عليهم دون تعال أو ازدراء على الآخرين، لهذا كان كل من يعيش فوق تراب قطر يعود إليها يدفعه الحنين والشوق.
لا أقول ما أقول من نسج الخيال وإنما من خلال تجربة ومعايشة لصيقة مع الأحداث والأشخاص، امتدت منذ العام 1980 وتواصلت حتى الآن، وكانت قد سبقتها زيارة خاطفة عام1977 برفقة الراحل الرشيد الطاهر بكر وكان يومها رئيسًا للوزراء ووزيرًا للخارجية … ومن المفارقة أنني عند العودة إلى الخرطوم كان أول مقال صحفي كتبته بصحيفة الأيام السودانية تحت عنوان «كانت الدوحة مدخلنا إلى الخليج» وامتدت وتواصلت تلك العلاقة الحميمة بين الشعبين السوداني والقطري، لم يحدثني أحد فقد عايشتُ عن قرب مواقف قطر تجاه السودان في كل المنعطفات السياسية التي عبرها السودان وكانت قطر على الدوام الداعم والسند لأشقائها في السودان ابتداءً من «سلام دارفور» وفي مواجهة المنعطفات السياسية والكوارث الطبيعية من جفاف وفيضانات، ونظمت مهرجانات حكومية وشعبية لتقديم الدعم والمساندة وما زلت أذكر المساهمة في مواجهة «جائحة كورونا» والإغاثة في حملة «سالمة يا سودان».
بالأمس القريب -يوم الخميس 17-04-2025- سُعدتُ بحضور ندوة بمعهد الدوحة للدراسات العليا تحت عنوان «الآثار والتراث الوثائقي في السودان … التحديات الراهنة والحلول الممكنة» شرفتها بالحضور سعادة الوزيرة لولوة راشد الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي نائب رئيس مجلس أمناء هيئة المتاحف في قطر التي ذكرت في ختام الحفل البهي أنها «سفيرة الدفاع عن الإرث الحضاري للسودان».
قبل بدء فعاليات الندوة تداعى للجمهور الحاضر الكلمات المشرقة والمضيئة التي خطها سعادة الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية تحت عنوان «السودان جرح الحضارة النازف» وتحدث بأسى عن تدمير «المتحف القومي السوداني»، وقال إن السودان ليس مجرد بلد عابر في الجغرافيا، بل هو صفحة مشرقة في سجل الحضارة الإنسانية، وطن يمتد بجذوره عميقًا في التاريخ، وشعب عرفته عن قرب، فوجدت فيه من الطيب والكرم والأصالة ما يندر أن تجده في أي مكان آخر، وأضاف سعادته «كم كنت محظوظًا أن أزور هذا البلد العظيم أكثر من مرة، أن أسير بين آثاره التي تروي مجد أمم سادت وخلدت اسمها في سجل الإنسانية … رأيت بعيني كيف يقف التاريخ شامخًا هناك، في تلك الأهرامات الشاهدة على عظمة حضارة كوش، في المعابد التي تهمس بأسرار الملوك العظماء … في كل حجر يحكي قصة شعب عريق»، قال د. الكواري الذي لم يكن مشاركًا في الندوة ولكن صدى كلماته تملأ المكان «في قطر كنا ندرك قيمة هذا الإرث الإنساني، وكنا فخورين بأن نساهم في ترميم آثار السودان، في مشروع رائد للحفاظ على تاريخه، لأننا نؤمن بأن الحضارة ليست ملكًا لدولة واحدة، بل هي أمانة في أعناق كل من يعرف قيمتها … ولكن أيادي العبث التي تشعل نيران الحرب لم تكتف بقتل الإنسان في السودان، بل امتدت إلى ذاكرته، إلى تاريخه، إلى روحه، فهدمت، ونهبت وأحرقت».
استطرد د. الكواري «إن الإنسانية تلقت ضربة موجعة أخرى عندما امتدت يد الخراب إلى «المتحف القومي السوداني» ذلك المكان الذي يحفظ للأجيال تراث بلادهم، ويفتخر به كل سوداني، بل كل عربي وإفريقي»، وعبر سعادته عن حزنه أن نشهد هذا الدمار، أن نرى التاريخ يباد تحت أقدام الطامعين، وأن يسرق ما لا يعوض، ويطمس ما لا يقدر بثمن … يمكن بناء جدران جديدة، ولكن كيف يعاد ما سرق؟ كيف تبعث من جديد قطعًا أثرية عمرها آلاف السنين؟ كيف يعوض شعب تسلب ذاكرته وهو ينزف؟.
وقال: «إن ما يحدث في السودان ليس مجرد حرب على السلطة، بل هي جريمة في حق الحضارة، جريمة ترتكب أمام أعين العالم الذي يراقب بصمت، ما يؤلم أكثر أن تمحى آثار هذا البلد العظيم … بينما أهل السودان يواجهون القتل والتشريد والجوع، ويترك وطنهم فريسة للصراعات وأطماع العابثين»، وختم د. الكواري مقاله الملتهب بقوله «رحم الله السودان الذي عرفناه، وحمى الله السودان الذي نحبه».
في ختام الندوة التي حضرها جمهور غفير ونظمتها رابطة أساتذة الجامعات السودانيين بدولة قطر وخاطبها د. عبد الوهاب الأفندي مدير معهد الدوحة للدراسات، والدكتورة أمل الخضر، والبروفيسور أحمد إبراهيم أبوشوك أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة قطر، والدكتور صلاح محمد أحمد منسق المشروع القطري للآثار، والأستاذة إخلاص إلياس كبيرة أمناء المتاحف في الهيئة القومية للمتاحف بالسودان، والسيدة هيا الدرهم رئيسة قسم المقتنيات بهيئة المتاحف القطرية، والدكتور حسن سعيد المجمر رئيس قسم الشراكات والبحوث في مركز الجزيرة للحريات العامة… وعبر سعادة السفير أحمد عبدالرحمن سوار الذهب سفير السودان لدى قطر عن شكره وامتنانه لكل من ساهم في تنظيم هذه الفعالية المتميزة التي تعكس عمق الروابط الثقافية والتاريخية بين الشعبين السوداني والقطري.
ولنا عودة لهذه الفعالية الفريدة والمحضورة.
