سودان تمورو:
في مشهد يتكرر كسيمفونية مملة، يستقبل رئيس مجلس السيادة وفدًا من “حركة العدل والمساواة” المنشقة عن جناح سليمان صندل، التي تعلن فجأة التزامها بفك الحصار عن الفاشر! وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل هذه الحركات المسلحة، التي تتكاثر كالفطر السام، وُلدت حقًّا من رحم المطالب المشروعة لأهل دارفور، أم أنها نتاج طموحات شخصية فاشلة، وغُرف عمليات سياسية مُعدة سلفًا؟.
يشهد السودان ظاهرة تكاثر الحركات المسلحة والمليشيات بشكل مستمر، مما جعلها أحد أبرز التحديات التي تواجه استقراره السياسي والاجتماعي. هذه الجماعات التي تتدثر بعباءة المطالب الشعبية والمظالم الحقوقية، أصبحت جزءًا من دوامة لا تنتهي من الانشقاقات والصراعات الداخلية، مما يضع البلاد أمام سؤال وجودي: كيف يمكن لمثل هذا الوضع أن يؤدي إلى بناء دولة قوية ومستقرة؟
الواقع يظهر أن غالبية قيادات هذه الحركات المسلحة ليسوا سوى سياسيين فشلوا في تحقيق طموحاتهم عبر الوسائل الديمقراطية الشرعية، ولجأوا إلى السلاح كوسيلة لتحقيق أهدافهم الشخصية. النظام السابق لعب دورًا محوريًا في تغذية هذه الظاهرة، حيث استغلها كجزء من استراتيجية “فرّق تسُد”، مقدمًا الدعم لهذه الجماعات لضمان السيطرة على المشهد السياسي. هذا الدعم لم يكن فقط ماليًا وعسكريًا، بل امتد ليشمل منح امتيازات سياسية وإدارية، مما جعل من هذه الحركات أدوات لتأجيج الصراعات بدلًا من إخمادها.
منذ انطلاق الحركات المسلحة في دارفور، أصبحت الانشقاقات السمة الغالبة لهذه الجماعات. حركة تنشق عن أخرى، وقائد يثور على رئيسه ليؤسس كيانًا جديدًا، في مشهد يبدو وكأنه لا نهاية له. دارفور، التي كانت يومًا ما رمزًا للتنوع الثقافي والغنى الجغرافي، أصبحت مسرحًا لتراخيص المليشيات، حيث يتم تداول الولاءات وشراء المواقف بأسلحة وامتيازات سياسية. هذه الظاهرة لم تقتصر على دارفور، بل امتدت لتشمل مناطق الوسط والشمال والشرق، مما ينذر بكارثة وطنية شاملة.
اندلعت الحرب الأخيرة في السودان لتضيف بعدًا جديدًا للأزمة، حيث بدأ دعم الجماعات المسلحة يأخذ منحًى علنيًا لتغطية العجز في القوات النظامية. هذا الدعم شمل مليشيات مؤدلجة وأخرى مدفوعة بالمصالح الشخصية، مما جعل المشهد العسكري في السودان أقرب إلى غابة تحكمها الفوضى، حيث كل مجموعة تسعى للحصول على أكبر قدر من الدعم والتمويل. هذه المليشيات أصبحت تلعب دورًا مزدوجًا، فهي أدوات عسكرية تستخدمها أطراف الصراع، وفي الوقت نفسه، قنابل موقوتة تهدد استقرار البلاد بمجرد انتهاء الحرب.
تفاقم هذه الظاهرة يضع السودان أمام تحديات ضخمة على المستويين الداخلي والخارجي. داخليًا، تعاني الدولة من ضعف المؤسسات الأمنية والسياسية، مما يجعلها غير قادرة على السيطرة على الوضع. خارجيًا، يُنظر إلى السودان كدولة فاشلة عاجزة عن حل مشكلاتها، مما يضعها في موقف حرج أمام المجتمع الدولي. هذه الانعكاسات تؤثر على الاقتصاد الوطني، حيث تضعف الاستثمارات الأجنبية وتزيد من عزلة السودان دوليًا.
رؤية للحل.. مواجهة جذرية وشجاعة
لا سبيل للخروج من هذه الأزمة سوى اتخاذ خطوات جذرية وشجاعة، تبدأ بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وحصر السلاح في يد القوات النظامية. من بين هذه الخطوات:
– نزع السلاح من جميع الجماعات المسلحة دون استثناء، وإخضاعها لخياري الاندماج في الجيش الوطني أو المحاسبة القانونية.
– إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية لتكون قادرة على حماية حدود السودان وضمان الأمن الداخلي دون الحاجة إلى الاستعانة بجماعات مسلحة.
– معالجة جذور الأزمة عبر تحقيق العدالة في توزيع الثروة والسلطة، وضمان مشاركة فعالة لأهل المناطق المهمشة في صنع القرار السياسي.
-وقف الدعم المالي والعسكري لأي كيان مسلح خارج إطار القانون، والتعامل مع هذه الجماعات بحزم لإعادة هيبة الدولة.
إن لم تُتخذ هذه الخطوات، فإن السودان مهدد بأن يتحول إلى دولة تحكمها مليشيات وعصابات، مما يؤدي إلى انهيار شامل للنظام السياسي والاجتماعي وضياع أحلام مواطنيه.
ظاهرة تفريخ الحركات المسلحة والمليشيات ليست مجرد تحدٍ سياسي أو أمني، بل هي أزمة وجودية تهدد مستقبل السودان. الحل لن يكون سهلًا أو سريعًا، لكنه يبدأ بإرادة سياسية حقيقية وشجاعة لمواجهة الواقع، بعيدًا عن المماطلة والخوف من العواقب. السودان يستحق أن يعود دولة قوية تُحقق الأمن والازدهار لمواطنيها، وهذه مسؤولية تقع على عاتق الجميع، حكومة وشعبًا.
