سودان تمورو:
في حي تل السلطان بمدينة رفح، حيث ترسم الجغرافيا تاريخاً من الصمود، كتب مجاهدو كتائب القسام فصلاً جديداً من فصول المقاومة، بعملية نوعية كشفت مرة أخرى أن معادلة الصراع لا تُختزل في تفوّق العتاد، بل في إرادة تُحيل الحجارة سهاماً، والضعف قوةً، والمستحيل ممكناً.
بمهارة القادة وخبرة المجاهدين، استدرجت القسام قوة إسرائيلية إلى شارع الطيران، حيث انتظرتها شبكة محكمة من النيران. أربع آليات “همر” وشاحنة “أموليسيا” دخلت في فخّ لم تُخطّط له آلات الحرب الإسرائيلية، بل خطّته عقولٌ ترفض الخنوع وأيدي تمسك بزمام القدر. البيان العسكري للقسام لم يُفصّل عدد القتلى والجرحى، لكنّه أكّد حقيقةً لا تحتاج إلى إحصاء.. أن الجيش الذي يدّعي “المنعة” يبقى عاجزاً أمام إرادة شعب قرّر أن يقف شامخا لا أن يموت.
لطالما كانت المقاومة الفلسطينية سرديةً لتطوّر الإرادة. بدأت بحجرٍ يُلقى بوجه دبابة، ثمّ بصاروخٍ محليّ الصنع، وها هي اليوم تُدخل العدو في متاهات الكمائن المركبة. نعم، الفارق التكنولوجي هائل، لكن التاريخ يُعلّمنا أن الحروب لا يفوز فيها الأقوى دائماً، بل الأكثر اقتناعاً بعدالة قضيته. القسام وغيرها من فصائل المقاومة لم تعُد بحاجة إلى جيوش نظامية لتثبت أن الاحتلال يمكن هزيمته؛ فكل عملية نوعية هي إعلان أن الزمن لم يعُد في صفه.
الدرس الأعمق في عملية رفح هو أن المقاومة ليست مسألة عتاد فحسب، بل هي اختبار لإيمان الشعوب بحقّها. لو كانت المقاومة تُقاس بالتوازن العسكري لكانت فلسطين قد سُحقت منذ عقود، لكنها صامدة لأنها اختارت أن تقاتل بدماء أبنائها لا بموازين القوى. الاحتلال يملك “قبة حديدية”، لكنه لا يملك حائطاً صدّياً ضد عزيمة رجال يبيعون حياتهم ثمناً للكرامة.
في كل زاوية من غزة المُحاصرة، ثمّة مجاهد يُعيد تعريف البطولة. تحيةً لأولئك الذين حوّلوا شوارع رفح إلى ساحات انتصار، ولأرواح الشهداء الذين زرعوا في تراب فلسطين بذور الحرية. فما يفعله المقاومون اليوم ليس مجرد ردّ على عدوان، بل هو بصمة في مسيرة طويلة لن تنتهي إلا بزوال الظلم.
فلسطين تُعلّم العالم أن الحقّ لا يُنتزع إلا بالمقاومة، وأن الدم يُحرّر الأرض حين يُروي شجرة العزّة. والقسام، بعمليتها الأخيرة، تؤكّد أن زمن الهزيمة قد ولى، وأن زمن المقاومة باقٍ ما بقي ظلمٌ يُقاوم.
