سودان تمورو:
قراءة في مآلات الحرب السودانية بعد تصاعد وتيرة التدمير المتبادل
السودان اليوم ليس مجرد ساحة نزاع، بل مسرح انهيار شامل، تتناوب فيه طبول الحرب على عزف لحن الجنون، وتتناوب فيه النيران على إحراق ما تبقى من رمق الحياة. لقد تحوّلت البلاد من ساحة تنافس سياسي إلى حلبة صراع بدائي، حيث لا منتصر إلا الخراب، ولا راية مرفوعة سوى راية الموت. الفاشر، نيالا، بورتسودان، كلها أسماء لم تعد تشير إلى مدنٍ تنبض بالحياة، بل إلى جبهات تشهق تحت الركام، تنطق بلسان الحال: “كفى عبثاً، كفى موتاً”. في مشهد مريع تتداخل فيه المعاناة الإنسانية مع الانهيار الاقتصادي، يضرب طرفا النزاع مفاصل الوطن لا لهدف سوى حيازة الرماد، وكأنهما يخوضان معركة كسر عظم لا يعرف فيها أحد أن العظم المكسور هو الوطن نفسه. الضربة مقابل الضربة، لم تعد تكتيكاً حربياً بقدر ما أصبحت أسلوب حياة لجيل لم يعرف إلا صوت الرصاص ومرارة الفقد، وكل صاروخ يُطلق يُفرغ مدينة من أهلها، وكل غارة تُفقر سوقاً، وكل قذيفة تُقبر حلماً. لم تعد الحرب وسيلة لتحقيق غاية، بل أضحت الغاية نفسها، وأضحى الدمار هو اللغة الرسمية للسياسة السودانية.
في قلب الأزمة، يترنح الاقتصاد كشبح جائع، تنهشه ألسنة اللهب في نيالا وتُخرسه الفوضى في بورتسودان، بينما يتساقط المدنيون في الفاشر كأوراق خريف لا يعبأ بها أحد، فهؤلاء الأبرياء لم يعودوا ضحايا فحسب، بل صاروا أدوات ضغط ومادة تفاوض بين أطراف لا ترى في الإنسان سوى رقم في بورصة الرصاص. والأخطر من كل ذلك، أن انقطاع الأمل السياسي يجرّد البلاد من بوصلتها، فتغدو المعارك بلا نهاية، والمبادرات بلا قيمة، والمستقبل بلا ملامح. وهنا تكمن الكارثة.. في أن القادة لم يعودوا يسألون عن الوطن، بل عن الحصص، ولم يعودوا يبالون بعدد القتلى، بل بعدد المواقع التي يسيطرون عليها، وكأنهم يقسمون جثة السودان على مائدة دم.
ومع ذلك، يبقى في هذا الليل البهيم خيط من ضوء، يلوح من خلف الأفق…حراك مدني ينتفض، وضمائر لم تنطفئ بعد، لعلها توقظ من في القلب بقية حياء.
على الجميع أن يدرك أن استمرار هذه الحرب ليس بطولة بل جريمة، وأن بقاء الوطن لا يكون بالبارود بل بالعقل، ولا يحيا بالقوة بل بالعدالة، ولا يُبنى بالانقسام بل بالتلاقي.
السودان ليس تركة يتقاسمها الطامعون، بل وطن يتنفس بأهله، وينهار من دونهم، وإن كان لا بد من حرب، فلتكن حرباً على الجهل، على الجوع، على الظلم، لا على المدن والأبرياء، فالوطن لا يُصان بقتل أبنائه، بل بحمايتهم.
اللحظة اليوم ليست للمزايدة ولا للعناد، بل لوقفة ضمير، تُعيد للسودان اسمه، قبل أن يُمحى حتى من ذاكرة التاريخ.
