سودان تمورو:
في خطوة تُحسب للحكمة والدبلوماسية الواقعية، أعلنت الخارجية السودانية إبقاء القنصلية العامة في دبي مفتوحة لتقديم خدماتها للجالية السودانية، وهو تراجع ضمني عن قرار قطع العلاقات مع دولة الإمارات.
قرار القطيعة الدبلوماسية من أساسه كان محمّلاً بمخاطر جيوسياسية كبيرة، نظرًا لثلاثة عوامل جوهرية.. أولًا، التدخل الإماراتي في الشأن السوداني لم يكن جديدًا، بل تصاعد بشكل واضح مع دعمها العلني لقوات الدعم السريع، عبر تزويدها بأنظمة دفاع جوي وطائرات مسيّرة، وهو ما قلب موازين الصراع العسكري بعد أن كانت الكفة تميل لصالح “الجيش” وجعل أبوظبي طرفًا مباشرًا في الأزمة. لكن المفارقة أن القطيعة لم توقف هذا الدعم، بل ستزيه كما رأينا تزويد الإمارات قوات الدعم السريع بأنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيرة الحديثة بعد لجوء السودان إلى محكمة العدل الدولية. ثانيًا، الإمارات -وخاصة إمارة دبي- تُمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا للسودان، سواء في مجالات التجارة الرسمية أو غير الرسمية، وقد شكّلت متنفسًا في ظل الحصار والانهيار المالي.
إن اتخاذ قرار حاد بقطع العلاقات دون تجهيز بدائل واقعية ألقى بالسودان في مأزق اقتصادي إضافي. ثالثًا، المواطن السوداني كان هو الخاسر الأكبر من هذا القرار، إذ يعتمد عشرات الآلاف من السودانيين المقيمين في الإمارات على القنصلية في معاملاتهم اليومية، وكان إغلاقها سيتركهم دون دعم أو تمثيل، ويخلق فجوة كبيرة بين الدولة ومواطنيها. ومن هنا، فإن إبقاء القنصلية مفتوحة لا يعكس فقط تراجعًا عن القرار السياسي، بل يعكس وعيًا متأخرًا بأن السياسات الخارجية يجب أن تُبنى على إدارة المصالح لا على تعطيلها. ما حدث يؤكد حقيقة واضحة.. السياسة الخارجية، خاصة في أوقات الأزمات، تحتاج إلى واقعية باردة لا إلى قرارات انتقامية تُتخذ تحت ضغط اللحظة. فمهما كانت مآخذنا على الدور الإماراتي وفداحته في السودان، فإن الردّ على التدخلات لا يكون بقطع العلاقات بل بتكتيك مضاد عبر تحالفات ذكية، وضغوط قانونية ودولية ممنهجة، تكشف حجم الدور دون أن تُضعف الدولة السودانية نفسها. والخطوة الحالية -مهما قيل عنها- تُشير إلى بداية تصحيح في المسار، لكنها ليست كافية ما لم تُترجم إلى استراتيجية شاملة تعيد بناء العلاقات الخارجية على أسس المصالح المتبادلة لا التبعية، وعلى منطق السيادة لا الاندفاع.
التحدي الحقيقي ليس في إبقاء قنصلية مفتوحة أو إغلاقها، بل في كيفية إدارة العلاقة مع أبوظبي دون التنازل عن السيادة الوطنية، وفي الوقت نفسه دون تعريض الاقتصاد والشعب السوداني لمزيد من الاختناق والعزلة. إن السياسة الخارجية الفعّالة لا تُقاس بحدة المواقف، بل بقدرة الدولة على تحويل التحديات إلى فرص، والأعداء إلى خصوم سياسيين يمكن احتواؤهم.
