السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحين تتحول الدبلوماسية إلى جزية! بقلم احمد حسن

حين تتحول الدبلوماسية إلى جزية! بقلم احمد حسن

سودان تمورو:

في مشهد يُثير الأسى أكثر مما يبعث على الفخر، تتكرر مظاهر الوله والاحتفاء في العواصم الخليجية كلما وطئت أقدام رئيس أمريكي أراضيها. لا ضير في الدبلوماسية، ولا خطأ في البرتوكول، لكن حين يتحول الترحيب إلى خضوع، والتعاون إلى استنزاف، يصبح الصمت خيانة للمستقبل. زيارة الرؤساء الأمريكيين للخليج باتت تشبه غزوات القرن الواحد والعشرين؛ لا تأتي بخطط تنمية ولا رؤى مشتركة، بل بعقود تسليح بمئات المليارات، يُوقعها المسؤولون الخليجيون بابتسامات عريضة، وكأنهم يُعلنون نهاية السيادة بأيديهم.

الصفقات تتكرر، والعناوين تتبدل، لكن المضمون ثابت.. واشنطن تأخذ، والخليج يُعطي. لا دروس تُستفاد من تاريخ حافل بالخذلان، ولا عبرة تُؤخذ من وقائع تُثبت أن الولاء لواشنطن لا يعني الحماية، وأن التسلّح لا يساوي الأمن. الإدارة الأمريكية، أياً كان ساكن البيت الأبيض، تتعامل مع الخليج كخزان لا ينضب من المال، لا كشريك نِدّيّ في القرار. وكل زيارة “رئاسية” تتحول إلى حفلة بيع وشراء، تُسوّق تحت عنوان الشراكة الاستراتيجية، وهي في حقيقتها شراكة طرف واحد، يُقرّر ويأمر ويقبض.

الأسئلة تفرض نفسها بإلحاح.. أين نتائج هذه “التحالفات الكبرى”؟ أين الأمن المستقر؟ أين السيادة المصانة؟ كل ما نراه هو المزيد من التوتر، من العراق إلى اليمن، ومن الخليج إلى شرق المتوسط. وما تشتريه الأنظمة الخليجية من صواريخ وطائرات، لا يعادل شيئًا أمام خسارتها الاستقلال الحقيقي في القرار. الأسوأ أن هذه الأموال التي تُهدى لواشنطن بلا مساءلة، لا تُستثمر في شعوب الخليج، ولا في مستقبلها العلمي أو التنموي، بل تذهب لتغذية صناعات الغرب، بينما يظل المواطن الخليجي تحت رحمة الدعم الحكومي وقلق المستقبل.

حتى الهدايا باتت تُقدَّم بوجه مكشوف؛ طائرات تُهدى، وصفقات تُوقّع، وكأن ما تحت أيدينا فائض حضاري، لا نفط سينضب وثروات ستزول. أنظمة تربط مصيرها برضا البيت الأبيض، وتتوهم أن الحماية تُشترى بالمال، لا تُبنى بالاستقلال والقوة الذاتية. التاريخ لن يرحم من وضع مقدرات أمته على طاولة مساومات سياسية، ولا من فرّط في ثروات الأجيال القادمة من أجل لحظة رضا أمريكي زائل.

لقد آن أوان المراجعة. آن أن تُفكك هذه العلاقة غير المتكافئة، وأن تُبنى دبلوماسية خليجية على أساس المصالح المتبادلة، لا التبعية العمياء. لا أحد يُنكر أن أمريكا قوة عظمى، لكن لا شيء يبرر أن تُعامل دول الخليج كـ”زبائن مميزين” في معرض السلاح الأمريكي، لا كحلفاء حقيقيين. آن أن نستفيق من وهم “الولاء المدفوع الثمن”، وأن يُقال بصوت عالٍ.. لسنا خزان نفط متنقلاً، ولسنا خزينة طوارئ لاقتصادكم.

الخليج إن لم يستفق الآن، فقد لا يجد ما يقدّمه غدًا. والأنظمة التي تُراهن على الخارج، ستكتشف عاجلًا أو آجلًا أن الشرعية لا تُمنح من واشنطن، بل تُنتزع من شعوبها. فإما أن نكون أسياد قرارنا، أو نبقى عبيد صفقات… والتاريخ لا يرحم المتواطئين.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات