سودان تمورو
لم يكن وقف إطلاق النار في لبنان، الذي تم إقراره الليلة الماضية، مجرد قرار عسكري موضعي أو رغبة دولية عابرة، بل كان الصدى المباشر لفشل “المغامرة الكبرى” التي قادها ترامب وإدارته ضد العمق الإيراني. فبعد أربعين يوماً من عدوانٍ أريد له أن يقتلع النظام ويغير وجه المنطقة، انتهى المطاف بواشنطن وتل أبيب إلى البحث عن “سلم للنزول” من شجرة التصعيد، بعدما أدركوا أن الطريق إلى طهران وبيروت بات مفروشاً بالرماد والخيبات.
إن الربط بين فشل الهجوم على إيران وقبول وقف إطلاق النار في لبنان اليوم يكشف حقيقة دامغة؛ وهي أن الآلة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية استنفدت بنك أهدافها دون تحقيق خرق استراتيجي واحد. وفي هذا السياق، برز الموقف الإيراني الصلب كحجر زاوية في الوصول إلى هذه النتيجة؛ فقد تجلى الإصرار الإيراني بوضوح في الرسالة الحاسمة التي نقلتها طهران إلى قائد الجيش الباكستاني، مؤكدة أنها لن تجلس إلى طاولة أي تفاوض ولن تفتح أي مسارات دبلوماسية ما لم يتم وقف العدوان فوراً على لبنان. هذا الثبات هو الذي كسر حلقة الابتزاز السياسي التي حاول ترامب فرضها عبر النار.
وتتجلى الخيبة الأمريكية بوضوح في فشل لقاء واشنطن الأخير بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. لقد أثبتت تلك اللقاءات عدم جدوى المراهنة على الضغوط الخارجية، خاصة في ظل عجز الحكومة اللبنانية عن ممارسة أي ضغط حقيقي على إسرائيل، طالما أن بعض الأطراف الداخلية والدولية تسعى للتضييق على المقاومة بدلاً من حمايتها. هذا العجز الحكومي أمام الغطرسة الإسرائيلية جعل من “الميدان” هو المفاوض الأوحد والوحيد الذي أجبر الاحتلال في نهاية المطاف على الرضوخ لاتفاق وقف إطلاق النار.
أما في ملف “مضيق هرمز”، فقد تحولت التهديدات الترامبية إلى سراب. فبعد أن كان ترامب يهدد بإغلاق شرايين الحياة الاقتصادية لإيران، بات اليوم يتوسل بقاء المضيق مفتوحاً لتجنب ثورة شعبية في الداخل الأمريكي جراء اشتعال أسعار الوقود. إن مآلات الوضع في هرمز اليوم تثبت أن إيران لم تعد تدافع عن حدودها فحسب، بل باتت هي من تضع القواعد الدولية لحركة الملاحة، محولةً المضيق من “هدف للعدوان” إلى “منطقة سيادة نارية” لا يجرؤ الغزاة على الاقتراب منها، خاصة بعد التلويح بتحويل الجزر الإيرانية كـ “خارق” وغيرها إلى مقبرة لأي إنزال بري.
هذا الفشل المزدوج —عسكرياً في إيران وسياسياً في لبنان— نقل المعركة إلى الداخل الأمريكي. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، لم يعد “بعبع” الفشل يطارد ترامب فحسب، بل بات يهدد بتغيير النظام في واشنطن نفسها قبل طهران. فالشارع الأمريكي الذي يهتف اليوم ضد “الملوك” يدرك أن المغامرات الخارجية لم تجلب سوى الخراب الاقتصادي، وهو ما يجعل سنوات ترامب المتبقية في البيت الأبيض عبارة عن “إدارة للأزمات” بدلاً من “صناعة القرار”.
إن وقف إطلاق النار في لبنان اليوم هو اعتراف ضمني بأن القوة الصلبة لترامب قد اصطدمت بصخرة الصمود الإيراني-اللبناني. وفيما يراقب العالم مياه الخليج وتطورات الجبهات، تبرز الحقيقة الساطعة: المعتدي هو من بدأ الحرب، لكن المحور المقاوم هو من رسم نهايتها، وباتت إيران والمنطقة اليوم أكثر هيبة وحضوراً، بينما يلملم “الغزاة” أذيال خيبتهم بحثاً عن مخرج من كابوس صنعته حماقتهم.
