سودان تمورو:
لم يكن السودان بحاجة إلى دروس إضافية في ثمن التبعية ونتائج الارتهان، لكن قياداته اختارت المضي في درب الارتهان طواعية، فدفعت البلاد اليوم الثمن كاملاً، بالدم والدمار والانقسام. ما يحدث الآن في السودان ليس مجرد صراع داخلي على السلطة، بل هو ارتداد طبيعي ومتأخر لقرار كارثي اتُّخذ عام 2015، عندما تقرر إرسال الجنود السودانيين إلى اليمن، للقتال في حرب لم تكن للسودان فيها لا مصلحة ولا قضية.
منذ اللحظة التي رفع فيها السودان يده مصفقًا لـ”عاصفة الحزم”، كان يخطو نحو منزلق خطير، شرعن فيه لنفسه التدخل في شؤون الآخرين، ووضع بندقية الجندي السوداني للإيجار. تحول الجنود إلى مرتزقة بأمر سياسي، وأصبحت الدماء السودانية تُسفك في صراع إقليمي عبثي مقابل حفنات من الدولارات.
كان ذلك القرار بداية النهاية، ليس فقط لأخلاقية الموقف السوداني، بل لسيادة الدولة نفسها. فقد وُضعت مفاتيح القرار السيادي في يد رعاة الخليج، الذين لم يكتفوا بشراء المواقف، بل اشتروا الولاءات، وصنعوا رجالهم على الأرض السودانية. في تلك اللحظة، صعد محمد حمدان دقلو (حميدتي) من مجرد قائد ميليشيا إلى رجل إماراتي بامتياز، يستقبل المبعوثين، يجلس مع الأمراء، ويقبض الثمن نقدًا وبالدولار.
ما كان لحمديتي أن يتمرد على الدولة لولا المال والسلاح والدعم السياسي الذي حصل عليه نتيجة تورط السودان في حرب اليمن. لقد ساعدته تلك الحرب في بناء قواته الخاصة، المدعومة من أبوظبي، والمهيأة للعب أدوار أكبر من مجرد القتال في الجبال اليمنية. ولما انتهى دور السودان هناك، نُقل الصراع إلى داخله.
النتيجة واضحة اليوم.. ميليشيا تقاتل الجيش، مدن تنهار، نسيج اجتماعي يتمزق، واقتصاد ينهار، وكل ذلك بسبب تلك اللحظة التي قايض فيها حكّام السودان سيادتهم بالمال الخليجي. لقد فتحنا أبوابنا للإمارات والسعودية في اليمن، فدخلوا إلينا في عقر دارنا، وجلبوا المرتزقة من كل فج عميق، تمامًا كما ساعدناهم على استجلاب الموت لليمنيين من كل حدب وصوب.
لقد كانت المشاركة في حرب اليمن خيانة للسيادة، لا خطوة سياسية محسوبة. وحين ابتهج البعض بأموال تلك الحرب، واحتفى الشارع بأبطال “الارتزاق الوطني”، كانت البلاد تسير بثقة نحو حتفها، مغيبة عن حجم المصيبة المقبلة. فكما تدين تُدان، ومن يبع نفسه للقتال في حروب الغير، لا يلبث أن يجد نيران تلك الحروب تشتعل في عقر داره.
الدرس الذي يفرض نفسه اليوم على السودان، إن كان في العقل بقية، هو أن السيادة لا تُباع، والجيش لا يُؤجر، والأوطان لا تُدار بمنطق السمسرة والارتزاق. والآن، بعدما انقلب السحر على الساحر، لا مفر من الاعتراف بأن معركة السودان ليست فقط مع الدعم السريع، بل مع النهج السياسي الذي اختار التبعية وسفك دماء الآخرين، فتحوّل إلى ضحية لصراعات صنعها بيده.
إن أراد السودان النجاة، فعليه أن يطوي صفحة الارتزاق إلى الأبد، ويعيد بناء دولة تحترم نفسها، وتدافع عن حدودها، لا عن أجندات الخليج. فما من وطن احترق بنار الغير، إلا وكان هو من حمل الوقود وسكبه فوق أرضه بيده.
