خاص سودان تمورو
مع تقدم القوات المسلحة واستعادتها السيطرة على مساحات واسعة كانت مسرحاً لعمليات عسكرية قاسية، لا سيما في ولاية الخرطوم، اتجهت أنظار الملايين من النازحين واللاجئين السودانيين نحو ديارهم، يحدوهم الأمل في طي صفحة الشتات والنزوح. إلا أن واقع الحال على الأرض يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ فانتهاء العمليات العسكرية المباشرة في تلك المناطق لم يتبعه تدفق عكسي واسع النطاق للسكان.
إن تحرير الأرض، على أهميته الاستراتيجية والوطنية، لا يعني تلقائياً صلاحيتها الفورية للحياة، فهناك حزمة من التعقيدات الأمنية، والخدمية، والاقتصادية التي تقف حجر عثرة أمام “العودة الكبرى”، مما يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي لتحويل النصر العسكري إلى استقرار مدني مستدام.
تتداخل عدة عوامل متشابكة لتجعل من قرار العودة مغامرة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للمواطن الأعزل، ويمكن إجمالها في المحاور التالية:
هشاشة الاستقرار الأمني: الخشية المستمرة من وجود خلايا نائمة، أو تعرض المناطق المحررة لقصف مدفعي عشوائي، مما يبقي حالة من التوجس النفسي لدى الأسر، خاصة تلك التي تضم أطفالاً وكباراً في السن ويتجلى ذلك فى المناطق المتاخمة لتلك التى تجرى فيها عمليات عسكرية خصوصا فى كردفان والنيل الازرق
الدمار الكبير فى الخدمات العامة وبطء الاصلاح
تعرضت محطات المياه وشبكات الكهرباء لتدمير ممنهج أو تخريب واسع، مما يجعل الإقامة في أجزاء واسعة من الخرطوم شبه مستحيلة.
خروج معظم المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، ونهب الأجهزة الطبية، وانعدام الأدوية المنقذة للحياة، مما يهدد حياة العائدين عند أي طارئ صحي.
- آلاف المنازل تعرضت إما للقصف، أو الحرق، أو النهب الكامل الذي طال حتى الأبواب والنوافذ والأثاث، مما يجعلها غير صالحة للسكن دون عمليات ترميم واسعة.
- انعدام مصادر الدخل: فقد الغالبية العظمى من المواطنين وظائفهم ومصادر رزقهم. العودة تعني البدء من الصفر في بيئة اقتصادية مشلولة لا تتوافر فيها أسواق نشطة أو سيولة نقدية.
- تكلفة العودة والترميم: تكلفة النقل المرتفعة من مناطق النزوح أو دول اللجوء، مضافاً إليها التكاليف الباهظة لإعادة تأهيل المنازل المنهوبة، تفوق القدرة المالية للمواطن المنهك أصلاً.
إن استدامة الانتصار العسكري تتطلب خطة مدنية حكومية عاجلة وموازية، تنتقل بالدولة من حالة “إدارة الحرب” إلى “إدارة التعافي”. ويبرز دور الحكومة في المهام العاجلة الآتية:
خطة إسعافية لاستعادة الخدمات (صدمة إيجابية): توجيه وزارات القطاع الاقتصادي والخدمي للعمل بنظام الطوارئ لإصلاح خطوط المياه والكهرباء الرئيسية، وتوفير نقاط ارتكاز صحية ميدانية، وتأمين السلع الاستهلاكية الأساسية بأسعار مدعومة في المناطق المحررة.
- إعادة نشر مؤسسات الدولة المدنية: الإسراع بنشر قوات الشرطة، وفتح أقسام السجلات المدنية، وتفعيل دور النيابات والمحاكم، لبسط هيبة الدولة المدنية وطمأنة العائدين على أرواحهم وممتلكاتهم.
- تأسيس “صندوق إعمار وتعويضات“: حشد الموارد الوطنية والدولية لإنشاء صندوق يعنى بتقديم قروض ميسرة أو منح مالية ومواد بناء للمتضررين لإعادة تأهيل منازلهم، فضلاً عن دعم أصحاب المشاريع الصغيرة لإنعاش الأسواق المحلية.
- التواصل الاستراتيجي والشفافية: إطلاق منصة إعلامية حكومية موحدة تقدم معلومات دقيقة ومحدثة حول حالة الأحياء، مستوى الأمان، والخدمات المتاحة، لقطع الطريق أمام الشائعات ومساعدة المواطنين على اتخاذ قرارات مبنية على حقائق.
إن المواطن السوداني الذي تجرع مرارة النزوح وويلات الحرب، يمتلك رغبة عارمة في العودة إلى دياره وإعادة بناء حياته. غير أن هذه الإرادة الشعبية الصلبة تحتاج إلى حاضنة حكومية فاعلة تمهد الطريق، وتزيل الأنقاض، وتعيد إعمار ما دمرته آلة الحرب.
إن نجاح الحكومة في إعادة الحياة إلى ولاية الخرطوم وباقي المناطق المحررة هو المقياس الحقيقي للنصر، وهو التتويج الفعلي لصمود الشعب السوداني وتضحيات قواته المسلحة.
