الأحد, أبريل 26, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحرب تنحر الدولة من الداخل!.. بقلم علي الحداد

حرب تنحر الدولة من الداخل!.. بقلم علي الحداد

سودان تمورو:

تتناول هذه القراءة الأزمة السودانية المستمرة منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، من منظور بنيوي وتاريخي. فهي لا تُقارب النزاع كصراع بين قائدين عسكريين فقط، بل كأزمة وطنية ممتدة، تُعبّر عن اختلالات عميقة في بنية الدولة وعلاقتها بمواطنيها. هذه الحرب ليست لحظة طارئة، بل تتويج لمسار مأزوم بدأ منذ لحظة سقوط نظام البشير، مرورًا بمرحلة الانتقال المتعثرة، وصولًا إلى الانفجار الدموي الذي يهدد السودان بالتشظي والانهيار الكامل. منذ اندلاع الحرب، دخل السودان في نفق مظلم تتقاطع فيه انهيارات الدولة مع تشظي المجتمع، وتتصارع فيه البنادق على أطلال ما تبقى من مؤسسات وطنية. لم يكن هذا الانفجار العسكري حدثًا معزولًا، بل خلاصة حتمية لمسار انتقالي مأزوم منذ ولادته عقب ثورة ديسمبر 2018. تلك الثورة التي حملت أحلام ملايين السودانيين بالتحول الديمقراطي وبناء وطن يتسع للجميع، أُجهضت بفعل صراعات النخب، وتقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين على قاعدة هشة، لم تصمد أمام تضارب المصالح وتعدد مراكز القرار.

في قلب هذا الصراع المستعر تقف الدولة السودانية كجسد منهك، يتنازع عليه جيشان، كلٌّ منهما يدّعي الوصاية على الوطن، بينما تتهاوى العاصمة الخرطوم، وتتمزق الأطراف بين جبهات مشتعلة ومخيمات نزوح. انكشف هشيم الدولة حين عجزت عن فرض احتكارها للسلاح، وفشلت في هندسة عقد سياسي جامع يحسم موقع المكونات العسكرية من المنظومة الوطنية. وسرعان ما تحولت الخلافات حول دمج قوات الدعم السريع إلى صراع على السلطة والثروة، فانتقل السودان من لحظة الانتقال الديمقراطي إلى أتون حرب شاملة تهدد وجوده ككيان موحد. تتجاوز الحرب في السودان اليوم كونها مواجهة بين قائدين عسكريين، فهي تعبير مأساوي عن اختلالات تراكمت عبر عقود من المركزية المفرطة، والتمييز الإثني، والتهميش السياسي، والتوظيف الممنهج للهوية كسلاح. في دارفور، عادت المجازر بلونها العرقي المكشوف، وانهارت الحدود بين السياسي والميداني، حيث تتحرك الميليشيات بمعزل عن القانون، وتُرتكب الفظائع وسط صمت إقليمي ودولي لا يقل قسوة عن الرصاص.

النتائج الإنسانية كارثية بكل المقاييس: أكثر من 10 ملايين شخص بين نازح ولاجئ، بلد نصف سكانه مهددون بالجوع، وخرطوم منهكة صارت مرادفًا للخراب. المدارس مغلقة، المستشفيات مدمرة، الأسواق خالية، الاقتصاد منهار، والعملة الوطنية فقدت قيمتها. أما الدولة، فتعيش انحلالًا شبه كامل؛ لم تعد هناك سلطة قادرة على احتواء الفوضى أو منع التشظي، بل صارت مؤسسات الحكم مجرد رموز فارغة في تقارير الأخبار. السياسة ماتت فعليًا في السودان منذ اللحظة التي استُبعد فيها صوت المدنيين من المعادلة، وانهارت فيها وساطات الخارج أمام تصلب الداخل. فمحادثات جدة، التي رعتها السعودية والولايات المتحدة، لم تُحدث سوى هدَن هشة لا تصمد لساعات. القوى الدولية، رغم بياناتها المتكررة، فشلت في فرض أي واقع جديد على الأرض، بينما تتبادل أطراف النزاع الاتهامات وتتعامل مع البلاد كما لو أنها غنيمة مؤقتة وليست وطنًا في مهب الانهيار.

في دارفور، حيث تبدو الحرب بأبشع صورها، يتجلى السقوط الأخلاقي للنظام الدولي. مدينة الفاشر، المحاصرة اليوم، قد تشهد مجازر تاريخية إن لم يتم التحرك العاجل. التقارير عن تطهير عرقي ضد المساليت وغيرهم من المكونات غير العربية، تضع العالم أمام اختبار ضميره، وتجعل من الصمت جريمة مضاعفة. لقد أصبحت الحرب في الإقليم ليست فقط امتدادًا للصراع على الخرطوم، بل كيانًا منفصلًا يحكمه منطق الكراهية والتعبئة الإثنية والسلاح المنفلت. ما يحدث في السودان اليوم هو انهيار شامل لمعنى الدولة. لم يعد الحديث عن وقف إطلاق نار كافيًا، ولا الدعوة لحوار شكلي مجديًا. البلاد تحتاج إلى مشروع إعادة تأسيس سياسي، يعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، بين المركز والهامش، بين الأمن والديمقراطية. المطلوب ليس تسوية مؤقتة بين الجنرالات، بل عقد وطني جديد، يبني دولة مدنية بجيش واحد، ويضمن العدالة للضحايا، ويمنح الهامش صوتًا مكافئًا في معادلة الحكم.

العالم مطالب اليوم بموقف أكثر جرأة ووضوحًا. العقوبات الرمزية لم تعد كافية، والمواقف الرمادية لم تعد أخلاقية. إن واجب الإنسانية، كما تفرضه مآسي الفاشر ودماء الخرطوم، أن يتحول إلى التزام سياسي واضح: حماية المدنيين، دعم مسار شامل للسلام، ومساءلة من يرتكبون الجرائم ضد الإنسانية دون استثناء أو انتقاء. السودان اليوم ليس فقط على شفا التقسيم، بل أمام خطر التحول إلى “حالة دولية مزمنة” تدار بالأزمات والتدخلات. وإذا لم تُبذل جهود جدية لصياغة حل جذري، فإن هذا البلد العريق، بتاريخه وثرواته وتنوعه، قد يغيب عن الخريطة السياسية كما عرفه العالم. فإما أن ينهض السودانيون ومعهم المجتمع الدولي لبناء السلام من تحت الركام، أو يُترك السودان ليتحول إلى درس مؤلم في فشل الإرادة السياسية وانهيار التعاطي الدولي مع الحروب المعاصرة .

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات