السبت, أبريل 25, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالطائرات المسيرة في حرب السودان

الطائرات المسيرة في حرب السودان

سودان تمورو:

في خضم الحرب الدائرة في السودان، تحولت الطائرات المسيّرة إلى عنوان بارز في ميدان الصراع، ليس فقط كسلاح فعّال يُحدث فارقًا ميدانيًا، بل كأداة تُوظَّف سياسيًا وإعلاميًا لتوجيه الاتهامات وشرعنة الانحيازات. فبينما يستخدم الجيش السوداني طائرات مسيّرة تركية وإيرانية الصنع في معركة الدفاع عن الدولة، تتعالى أصوات إقليمية ودولية تطعن في مشروعية ذلك، متجاهلة في الوقت ذاته دعمًا مكشوفًا وموثقًا تتلقاه ميليشيا الدعم السريع من دول كالإمارات، بما في ذلك أسلحة وطائرات صينية الصنع.

السؤال الجوهري هنا ليس حول نوع السلاح، بل حول من يحق له امتلاكه واستخدامه. الجيش السوداني، بكل ما له وما عليه، يبقى المؤسسة الوطنية الرسمية المعترف بها قانونًا، والتي يُفترض بها حفظ سيادة البلاد وحماية حدودها ووحدة أراضيها. أما الدعم السريع، فهي تشكيل مسلح متمرّد على الدولة، لا يملك أي صفة قانونية تخوّله اقتناء السلاح أو خوض الحروب، بل ارتبط اسمه، منذ تأسيسه، بجرائم حرب موثقة، وعمليات نهب وتهجير وقصف عشوائي ضد المدنيين.

ما يثير الغضب في هذه المعادلة المختلة هو هذا الصمت الدولي شبه الكامل عن مصادر تمويل وتسليح هذه الميليشيا، رغم أن تقارير إعلامية واستخباراتية كشفت مرارًا كيف وصلت شحنات السلاح إليها من دول معروفة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن التي تحظر تسليح الميليشيات في مناطق النزاع. ولا يقتصر الأمر على الصمت، بل يتعداه أحيانًا إلى تبرير مفضوح أو مساواة خادعة بين جيش وطني وميليشيا انفلاتية.

أي محاولة لوضع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في كفّة واحدة، سواء من حيث الشرعية أو المسؤولية، هي خديعة سياسية وأخلاقية. الجيش، مهما كانت الانتقادات الموجهة إليه، يظل جزءًا من الدولة، ويمتلك تفويضًا دستوريًا بحماية البلاد. أما الدعم السريع، فليست سوى قوة مسلحة خرجت عن سلطة الدولة، وأصبحت أداة في يد قوى إقليمية تسعى لاستخدام السودان كساحة صراع بالوكالة.

ما يجري في السودان اليوم لا يمكن فهمه بعيدًا عن السياق الجيوسياسي الأوسع، حيث تتداخل مصالح دول الطموح الإقليمي، وتتنافس على النفوذ والموارد، مستخدمة أدوات محلية لإعادة رسم الخرائط. الدعم المكشوف الذي تتلقاه الميليشيات ليس دعمًا إنسانيًا أو محايدًا، بل هو امتداد لصراع استراتيجي على النفوذ والثروات، وعلى التحكم في مستقبل السودان السياسي والعسكري.

الحديث عن تجريم تسليح الجيش السوداني في هذا السياق ليس إلا نفاقًا دوليًا صارخًا. كيف يُلام من يسعى لبسط سيادة الدولة، بينما يُترك من يقوضها ليفعل ما يشاء؟ من غير المعقول أن تُلاحق الدول التي تزود الجيش بالسلاح، بينما تُترك الدول التي تسلح الميليشيا في مأمن من أي محاسبة، رغم الأثر الكارثي الذي تحدثه على الأرض.

السودان لا يحتاج إلى دروس في الأخلاق من قوى تتعامل بازدواجية فجّة في المعايير. إن كانت هناك نية حقيقية لإنهاء هذه الحرب، فعلى المجتمع الدولي أن يبدأ بكسر هذا الصمت المتواطئ، وأن يسمي الأشياء بأسمائها.. الجيش السوداني مؤسسة شرعية، ومن حقه أن يتسلّح. أما الدعم السريع فهي ميليشيا غير قانونية، وكل من يدعمها بالسلاح أو المال، فهو شريك في تمزيق السودان وسفك دماء أهله.

لقد آن الأوان لوضع حد لهذا النفاق الدولي، والاعتراف بأن الاستقرار في السودان يبدأ من احترام شرعية الدولة، وتجفيف منابع تسليح الفوضى. وكل ما دون ذلك، هو استمرار مقصود في تحويل السودان إلى محرقة لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات