سودان تمورو:
ليس في الأمر طعن في كفاءة الدكتور كامل إدريس، ولا في تجربته الأكاديمية والدولية الثرية، فالرجل بلا شك يملك سيرة ذاتية تبهر الناظرين. لكن المأزق الحقيقي لا يكمن في الرجل ذاته، بل في حالة الإنكار السياسي التي تسيطر على النخب السودانية، حين تظن أن تعيين “شخصية عالمية” كفيل بفك عقد البلاد المتشابكة. لقد جُرّب هذا المسار مرارًا، ولم تنتج عنه سوى خيبات متراكمة، وها هو السودان يعيد إنتاج ذات الأوهام، وكأن التاريخ لا يعظ.
تجربة عبدالله حمدوك ليست بعيدة. رجل قادم من المنظمات الدولية، محاط بهالة من التزكية الأممية، اعتُبر آنذاك المخلّص المنتظر. لكن سرعان ما اصطدمت الوعود بالواقع، وسقطت الشعارات أمام جدار الفوضى السياسية والاقتصادية، وخرج السودان من التجربة أكثر هشاشة. واليوم، يُراد لكامل إدريس أن يلعب الدور ذاته، ولكن بلبوس جديد، في مشهد لم تتغير معطياته، بل ازدادت تعقيدًا.
الاعتقاد بأن الغرب سيفتح أبوابه لمجرد أن إدريس يتمتع بقبول دولي، ضربٌ من السذاجة. السودان في عُرف واشنطن ليس مجرد دولة مأزومة، بل عقدة جيوسياسية موروثة، دولة عوقبت لسنوات بسبب تمردها عن النسق الأمريكي، وبسبب مواقفها الصلبة تجاه القضية الفلسطينية، واستضافتها شخصيات صنّفها الغرب على أنها “مارقة”، وتحالفها مع روسيا والصين وإيران. الغرب لا يغفر بسهولة، والأخطر أن الوجوه التي تسببت في تلك “الخطايا” لا تزال تتحكم في المشهد من خلف الستار، مما يجعل أي مشروع إصلاحي محكومًا بالفشل قبل أن يبدأ.
والأدهى أن من يُدفعون للواجهة، مثل إدريس، غالبًا ما يكونون أسرى لوصفات جاهزة لا تراعي خصوصية السودان. روشتات البنك وصندوق النقد.. تعويم الجنيه، رفع الدعم، خصخصة القطاع العام… حلولٌ قد تنجح في بلدان مستقرة، لكنها في السودان أقرب إلى الانتحار الاقتصادي، في بلد تمزقه الحرب، ويئن تحت وطأة انهيار مؤسسات الدولة، وتآكل الثقة الشعبية. هذه الوصفات ليست حلولًا بقدر ما هي أدوات لإبقاء البلاد تحت الوصاية، تُنفَّذ بحماسة في العلن، وتُجهض من الداخل عند أول صدام مع الواقع.
ثم يأتي السؤال الجوهري.. ماذا يريد البرهان من تعيين إدريس؟ الواضح أن الهدف ليس إطلاق مشروع وطني حقيقي، بل ملء فراغ دستوري يحرج السلطة القائمة أمام المجتمع الدولي. البرهان بحاجة إلى واجهة ناعمة، شخصية “مقبولة”، لكن بلا صلاحيات حقيقية، ولا قدرة على تحدي البنية السلطوية التي يديرها الجيش ومجموعة من المحاور الخارجية. وفي هذا السياق، لا يصبح كامل إدريس أكثر من “ديكور سياسي” يُستخدم لشراء الوقت، لا لتحقيق التحول.
قد يرى البعض أن تعيين إدريس يشبه ما حدث في سوريا حين عُيّن أحمد الشرع، وتم رفع العقوبات كنوع من الإشارات السياسية من الغرب. لكن الوضع مختلف، فتلك كانت لعبة مصالح معروفة، وربما كان الشرع نفسه جزءًا من صفقة دولية. أما السودان، فملفه أثقل، وأزماته أعمق، والنية الدولية تجاهه أقل وضوحًا، إن لم تكن محكومة بتوجهات تهدف إلى إبقائه في دائرة الفوضى والتحكم.
الخلاص لن يأتي من الخارج، ولا من شخصيات مهما علا شأنها، ما دامت فاقدة للسند الشعبي، ومعزولة عن نبض الشارع. البلاد تحتاج إلى إرادة وطنية جامعة، تبدأ من المصالحة الداخلية، وتنتهي بمشروع اقتصادي ينهض على الذات لا على المنح المشروطة. لقد تعب السودانيون من التعويل على الآخرين، ومن “المنقذين” القادمين من خلف البحار، ومن ساسة يرون في الخارج مرجعية لا مناص منها. آن الأوان لإعادة تعريف طريق الخلاص.. من الداخل، ولأجل الداخل، وبسواعد من يعيشون المعاناة اليومية، لا من يقرأونها من تقارير دولية.
كامل إدريس لن يصنع معجزة، لأن المعجزات لا تصنعها الأسماء، بل تصنعها السياقات التي تمنح الأسماء معناها. وما لم يتغير السياق السياسي السوداني بكل تعقيداته، سيظل تعيين أي شخصية، مهما علا بريقها، مجرد محاولة لتجميل مشهد مأزوم، لا أكثر.
